هل هي بوادر على طريق تشكيل جبهة عالمية عريضة لتحدي إسرائيل.. وبالتالي تحدي الهيمنة الأميركية ذات الطابع الإمبريالي الدولي؟
نعثر على مشروع إجابة عن هذا السؤال الكبير، إذا دققنا النظر في هويات الهيئات التي نظمت حملة «أسطول الحرية»، الذي انقضت القوات الإسرائيلية على سفنه لمنع وصولها إلى ساحل قطاع غزة عند نهاية مايو المنصرم.
«تحالف أسطول الحرية» هو التنظيم المظلي الذي يندرج في عضويته عدد من الهيئات الأوروبية والتركية، هي: «غزة الحرة» و«الحملة الأوروبية لإنهاء حصار غزة»، وثلاث منظمات خيرية وإنسانية تركية هي: «أرديم» و«وقفي» و«إنساني»، ومنظمة يونانية هي «سفينة من أجل غزة»، ومنظمة سويدية هي «اللجنة الدولية لرفع الحصار عن غزة».
على نحو فجائي ـ كما بدا الأمر ـ ظهرت هذه المنظمات والهيئات على أفق الحصار المضروب على أهل غزة. ولم يكن أقل فجاءة أن ترتب حملة أسطول الحرية التي انطلقت سفنها عبر المياه الدولية بصورة جريئة يقل نظيرها.
الحملة عالمية الطابع بكل معنى الكلمة. ولإدراك المزيد من مغزاها العالمي، علينا أن ننظر أيضاً في هويات الشخصيات التي شاركت في رحلة التحدي البحرية، وهي تدرك سلفا أن صداما مع القوات الإسرائيلية واقع لا محالة.
إنهم أكثر من 700 شخص، غالبيتهم أعضاء في منظمات إنسانية وناشطون في مجال حقوق الإنسان، وهم من مختلف الجنسيات والعقائد الدينية. كانوا يمثلون نحو 50 جنسية؛ من سياسيين ورجال دين ونواب برلمانيين وكتاب صحافيين.
هذا هو ما يفسر لنا اشتعال الغضب على المستوى العالمي ضد إسرائيل، بعد الهجوم الدموي الإسرائيلي على السفن وركابها، وضد الولايات المتحدة التي باركت المجزرة تحت مبرر أن الدولة العبرية كانت تمارس حق الدفاع عن النفس!
ولن ندرك المغزى الحقيقي وراء حملة أسطول الحرية، إذا اعتقدنا أنها نظمت على عجل وعلى نحو فوري اعتباطي. فهي قامت على تخطيط طويل المدى.. تخطيط نابع من تراكمات مسلسل الجرائم الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني، والذي بلغ أعلى ذراه على مدى أكثر من ثلاث سنوات من تفشي الموت البطيء بين المليون ونصف المليون فلسطيني في غزة، بسبب الحصار الإجرامي الذي فرضته عليهم إسرائيل.
ولأن الحصار ظل يحظى ولا يزال بتأييد أميركي فاضح، فإن من الطبيعي أن يكون التخطيط للحملة موجها أيضاً ضد الولايات المتحدة.
لكن، مع ما تعكسه التداعيات العالمية الناشئة عن حملة أسطول الحرية، والتي لا تزال تتفاعل يوما بعد يوم ضد إسرائيل وحليفها الأميركي بما يوحي بأن العالم يتغير فعلاً، فإن مما يؤسف له أن العرب عازفون أو عاجزون عن استثمار هذا الوضع العالمي المتغير.
أمام الأمة العربية مشهد متطور، يوحي أولا بأن عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم، وثانيا أن أصوات الاحتجاج ضد الدعم الأميركي الاستراتيجي للدولة اليهودية أخذت تتعالى، حتى داخل الولايات المتحدة نفسها.
بداية العزلة الإسرائيلية نبعت من تقرير القاضي الدولي ريتشارد غولدستون، الذي صدر العام الماضي وتتضمن اتهام إسرائيل بارتكاب جرائم حرب ضد الفلسطينيين خلال العدوان الإسرائيلي الكاسح على قطاع غزة. ومغزى هذا التقرير ينبثق من كونه، أولا، صادراً عن لجنة دولية بتكليف من هيئة الأمم المتحدة، وثانيا أن غولدستون نفسه يهودي.
وجاءت الهجمة الدموية الإسرائيلية على سفن أسطول الحرية، لتؤدي إلى توسيع نطاق هذه العزلة وتصعيدها.
أما الاحتجاج من داخل الولايات المتحدة، فقد ابتدره توني كوردسمان، أشهر المتخصصين في شؤون الأمن القومي الأميركي. فقد بعث بمذكرة إلى الإدارة الأميركية، قال فيها صراحة إن إسرائيل آخذة في التحول سريعاً إلى «عبء استراتيجي» على الولايات المتحدة.
ويضيف كوردسمان قائلا إنه «حان الأوان لتدرك إسرائيل أن عليها التزامات تجاه الولايات المتحدة كما للولايات المتحدة التزامات نحو إسرائيل، وأن عليها أن تكون أكثر حذراً بشأن مدى اختبارها لحدود الصبر الأميركي واستغلالها للدعم الذي تحظى به من اليهود الأميركيين».
هل يدرك العرب هذه التحولات والمتغيرات؟ وهل يدركون في هذا السياق أنه بينما يتقلص النفوذ اليهودي الصهيوني داخل مؤسسة السلطة الأميركية (وإن كان نسبياً)، فإن الهيمنة الدولية للولايات المتحدة قد دخلت مرحلة تدهور؟
ليس هذا طرحاً نظرياً، وإنما ملاحظات نابعة من مشهد الواقع الدولي. فالولايات المتحدة أصبحت عاجزة عن مواجهة سلاح التحدي، الذي يشهره الآن بعض خصومها دون خشية من ردود فعل جسيمة.
واشنطن تتلقى الآن تحدياً متعاظماً من فنزويلا شافيز، ومن برازيل داسيلفا، ومن نظام كوريا الشمالية وإيران.. وبالطبع من الصين التي تصعد حثيثاً إلى تسنم موقع القوة العظمى في العالم، كبديل عن الولايات المتحدة.
وبالطبع كذلك، يصعد في الساحة الدولية الآن نجم تركيا، كدولة تتحرك عالمياً باستقلالية كاملة في وجه إسرائيل والحليف الأميركي، بعد أن تحررت في عهد أردوغان و«حزب العدالة والتنمية»، من إرث الخضوع لإرادة الدولة العظمى.
والسؤال الكبير الذي يطرح أخيراً هو: متى تتجمع الدول والمنظمات المتمردة ضد التحالف الإسرائيلي ـ الأميركي في جبهة عالمية عريضة؟
كما تشير المتغيرات العالمية المتسارعة، فإن الأمر يبدو مسألة وقت فقط.
كاتب صحافي سوداني