رغم حرارة الصيف برياحه التي نطلق عليها محلياً «السموم» أو رياح «البوارح» المحملة بالغبار والأتربة، والتي يعزو البعض إليها مسؤولية إنضاج «الخلال» وتحويله إلى «رطب»، تلك الرياح التي تكتسب جفافها الشديد من عبورها على صحارٍ شاسعة، بدءاً من بادية الشام ومروراً بصحراء العراق وشمالي نجد في المملكة العربية السعودية، ورغم الرطوبة الشديدة التي كانت تكبت أنفاسنا في شهر أغسطس وشطر من شهر سبتمبر (شهر بداية المدرسة)، فإن ذكريات الصيف لها طعم خاص.
ها هو طيف خيال أمامي عمره أكثر من نصف قرن يتجسد وكأنني أراه، إنها والدتي رحمها الله وقد صعدت إلى سطح المنزل لتفرش لنا الفراش، ليبرد ويكون لطيفاً حينما نأوي إليه. وكان وقت النوم بعد صلاة العشاء تقريباً، حيث لم يكن التلفزيون قد غزا البيوت بعد.
والغريب أن فترة المغرب كان الهواء فيها عادة ما يتوقف في مدينة الكويت (الديرة) في تلك الأيام، ثم يتحرك حوالي الساعة الثامنة أو بعد ذلك قليلاً، فتأتي نسمة طرية من الخليج العربي (جون الكويت)، لنغط على أثرها في نوم عميق. اختفت للأسف تلك النسمات البحرية الجميلة هذه الأيام، فلم تعد تهب إلا في المناطق البعيد كثيراً عن العمران الحديث.
لا أعلم كيف كنا ننام الظهيرة، وهي فترة القيلولة، حيث كنا نفترش «الحصر» (جمع حصير)، وهي مصنوعة من سعف النخل، وننام في «الليوان» ونستيقظ عصراً لنذهب إلى «البراحة» (الساحة) فنلعب مع «الربع» كرة القدم.
وكم أنا أتعجب هذه الأيام من نفسي، كيف كنت ألعب وأقراني «حفاة» على «بحاصة» (أرض صلبة مليئة بالحصى الصغير)، فنجري ونركض الساعات الطوال نضرب الكرة بأقدامنا العارية، شأننا شأن بعض السحرة الذين يمشون على الجمر دون وجل أو خوف أو ألم!
بل كنا نقطع المسافات الطويلة كل يوم مشياً على الأقدام حفاة وحاسري الرؤوس، وأشعة شمس يونيو ويوليو وأغسطس في كبد السماء تسلط أشعتها الحارقة على رؤوسنا، دون كبير اكتراث بها، وكانت الرمضاء الملتهبة تحرق أقدامنا العارية دون أن نرعوي، فنعيد الكرة في اليوم التالي.
فطوال ثلاثة أشهر كنا نتجمع صباحاً في «الفريج» ثم ننطلق صوب البحر، الذي كان يبعد بضعة كيلومترات. والعجيب، أننا كنا ننغمس في اللهو ساعات طوالاً حتى يؤذن المؤذن لصلاة الظهر، دون أن نشرب قطرة ماء أو أن نفكر أن نأخذ معنا بعض الماء في «قربة» أو شيء من هذا القبيل.
أقصى ما كنا نفعله، أن يطلب الواحد منا «عشرين فلساً» من أبيه ليشرب بها زجاجة مرطبات عند العود في الظهيرة! ترى، كم من أطفالنا يتحمل هذا النوع من اللهو! حقاً «إن الإنسان ابن عوائده ومألوفة لا ابن طبيعيته ومزاجه، فالذي ألِفَه في الأحوال حتى صار خُلقاً وملَكَة تنزل منزلة الطبيعة والجِبِلّة»، كما يقول العلامة ابن خلدون.
والصيف هو شهر «الخلال» أو البلح، أشهى الفواكه عندي، فكنت أتناول كمية كبيرة منه، بالذات على وجبة الغداء التي كانت عادة ما تكون سمكاً، وعلى وجه الخصوص الميد والصبور، وهما سمكتا الطبقة الكادحة وتعيشان شمال الخليج العربي. وكانت سمكة الميد تباع ب«اليِّله» (وعاء كبير مصنوع من السعف على شكل قدر)، أما الصبور فكان يباع ب«الكود» (بمجموعة كبيرة).
وكم كنت أشتاق إلى «الخلال» وأنا طالب دكتوراه في الولايات المتحدة الأميركية، فكنت وأنا في ميتشغان أبعث إلى شركة في كاليفورنيا البعيدة لترسل لي طرداً منه في الصيف بين فترة وأخرى، بأضعاف مضاعفة من سعره في بلادنا.
وكان من أصعب الأوقات في الصيف التي ما أزالت صورها ومشاعرها حاضرة في وجداني، حينما تهب العواصف محملة بالأتربة والطوز، فلم يكن «نهارنا نهار ولا ليلنا ليل»، كما يقول المثل الشائع.
ففي النهار كنا نغلق أبواب الحجرة وشبابيكها الخشبية كي لا يدخل علينا الغبار، فكانت تلك ساعات عصيبة يحس فيها المرء كأنه في فرن من شدة الحر. أما الرطوبة، فلم يكن يخفف من غلوائها النوم في الليوان نهاراً أو على السطح ليلاً.
رغم هذه الظروف القاسية في نظر شبابنا (وأنفسنا أيضاً)، فقد كانت الحياة الاجتماعية مفعمة بالعلاقات الحميمة بين أفراد الأسرة الواحدة وبين الجيران. فكانت إذا ما غابت الشمس، تجلس الأسرة في «الحوش»، في السواد الحالك في غالب الأحوال، لتتعشى ولتتجاذب أطراف الحديث قبل إن يحل وقت النوم.
وكان ذلك التسامر يطول حينما يكون ثمة ضيوف من الأهل والأصدقاء. إنها صورة مختلفة كل الاختلاف عن تواصل وتفاعل هذه الأيام، حيث يكون التلفزيون حاضراً ومستقطباً انتباه الجميع، حتى في وجود الضيوف.
حياة صيفية جميلة انقضت، ولم يبق منها إلا ذكرياتها التي تشبه الخيال.
كاتب كويتي