انتبهوا يا أهل الخليج! فإما أن تنضموا عاجلاً تحت لواء السعودية، أو تنهي إيران وجودكم إلى الأبد وتتلاشى دولكم تماماً! هكذا فُهم تحذير البرلماني الكويتي السابق، أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت، الدكتور عبد الله النفيسي، الذي حذر من وجود صفقة محتملة بين أميركا وإيران يجري النقاش السري فيها بين البلدين منذ أكثر من ثلاث سنوات، وضحيتها ستكون الدول الخليجية الصغيرة (البحرين، قطر، الكويت والإمارات).

وعلى الرغم من محاولة النفيسي تصحيح «سوء الفهم» الذي لحق بتحذيره، حينما عاد وصرح بأن قصده كان توحيد دول الخليج وليس دمجها في السعودية، إلا أن تحذيره فهم كما لو كان دعوة لاندماج كلي لدول الخليج الصغيرة في منظومة السعودية.

هذه الضجة التي أحدثتها تحذيرات النفيسي، جلبت «الإثارة» المفيدة لتذكير أهل المنطقة بالمخاطر المحيطة بهم، وبأسوأ الاحتمالات القادمة، من أجل «وقفة» جادة لفهم ما يجري حولنا والتصدي، بعقلانية، لتلك المخاطر. في المقابل، هذا الجدل حول كلام النفيسي، أظهر أن قطاعات كبيرة من أبناء المنطقة لا تزال تؤمن بفكرة الدولة الكبيرة (جغرافياً وسكانياً)، مقابل الدولة الصغيرة التي تحتاج دائماً ل«أخ أكبر» يحميها.

وربما يمارس الوصاية عليها! فكرة اندماج الدولة الصغيرة تماماً في منظومة الدولة الكبيرة، من أجل البقاء، لم تعد صالحة، والشواهد على ذلك كثيرة، في أوروبا وفي محيطنا أيضاً، فهل ضر إسرائيل أنها دولة صغيرة في مساحتها وفي عدد سكانها، وهي تتربع اليوم على عرش المنطقة في محيط من الأعداء الذين هم بكثرتهم مثل غثاء السيل؟

المطلوب اليوم ليس اندماج الدولة الصغيرة في الدولة الكبيرة. المهم أن تتضافر الجهود الجادة من أجل مزيد من التعاون والتكامل. لنكن واقعيين: كيف نتوقع وحدة حقيقية بين دول مجلس التعاون الخليجي وهي لا تزال مختلفة على تطبيق قرارات أقرت منذ زمن، مثل السفر ببطاقة الهوية والعملة الخليجية الموحدة؟

النفيسي محق في تحذيره من المخاطر الحقيقية المحدقة بدول مجلس التعاون، لكن الدعوة لضم أو دمج أو حتى «اندماج» الدول الخليجية الصغيرة مع شقيقتها السعودية، ليست أصلاً مفيدة، لا للسعودية ولا للدول الخليجية الصغيرة نفسها. بل إن كتاباً ومثقفين سعوديين كتبوا صراحة ضد اقتراح الدكتور النفيسي، لعدم عمليته من جهة، ولصعوبة تحقيقه من جهة أخرى.

الزميل عبد الرحمن الراشد في عموده بصحيفة الشرق الأوسط يوم السبت الماضي، كتب تحت عنوان «ضم الكويت للسعودية مع البقية»: «إن التعدد ميزة وليس بالضرورة إشكالية، إذا كان متناغماً، بل عمل إيجابي لصالح الجميع».

انظر للأدوار التنموية المهمة للمنطقة كلها، التي تلعبها اليوم إمارة دبي أو إمارة أبوظبي. ألم تصبح هاتان الإمارتان، من حوافز التغيير التنموي الإيجابي في المنطقة كلها؟ ألم تسهم البحرين في التأسيس لثقافة «بنكية» ذات مواصفات عالمية خدمت بها المنطقة كلها؟ ألم تبهر تجربة الكويت البرلمانية ـ على الرغم من إشكالاتها المتواصلة ـ قطاعات واسعة من شباب منطقتنا وتحفزهم على البحث في أفضل آليات «الحكم الرشيد» في مجتمعاتهم؟ ألم تقدم لنا دبي نموذجاً خليجياً (وعربياً) بارزاً في سرعة الإنجاز وروعة المنجز؟

إذن، المطلوب اليوم ليس دمجاً أو اندماجاً. نحن حقاً بحاجة ملحة لأن تنفذ مشاريع التعاون والتكامل بين دول مجلس التعاون، التي سبق لقادة دول المجلس أن أقروها.

الكرة اليوم في ملعب أصحاب القرار في دول المجلس، وحينما تنفذ تلك القرارات وتترجم إلى واقع على الأرض، فلن نعود بحاجة لمثل دعوة الدكتور النفيسي الأخيرة، لأن تلك المشاريع المقرة ـ مع وقف التنفيذ ـ ستخلق بالتأكيد مصالح كبيرة مشتركة بين أهل المنطقة، وليس بين الأنظمة السياسية فقط.

مصالح الناس الحقيقية، على الأرض، هي الضمانة المضمونة لتكاتف أهل المنطقة وتعاونهم ومواجهتهم للمخاطر المحدقة بهم. مشاريع التكامل الاقتصادي، وإلغاء إجراءات التنقل المعقدة بين دول المجلس، وإتاحة فرص العمل بشكل أكبر ومتكافئ للمؤهلين من أبناء وبنات دول الخليج في أي دولة خليجية، كلها إجرءات لا بد أن تعمق المصالح المشتركة بين أهل المنطقة.

وفي مقابل اليقظة من أي مخاطر محتملة من الخارج، من الضروري البدء في مشاريع عملية لإصلاح أوضاع الداخل الخليجي. الإصلاح الجاد، في التعليم والإعلام والاقتصاد، ضروري لبناء دول قوية. لا بد من تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص بين أبناء المجتمع الواحد. مواجهة التطرف المذهبي والانقسامات الداخلية، لا تأتي بالكلام المعسول ولا بالوعود الخاوية، وإنما تتحقق بالفعل والإنجاز على الأرض. ولكي تكون قوياً وواثقاً من قدرتك على مواجهة تحديات الخارج، عليك أن تكون أولاً قوياً متماسكا في الداخل.

إن الدعوة الجديدة القديمة للاتحاد ـ أو الاندماج ـ بين دول مجلس التعاون الخليجي، لم ولن تكون واقعية في ظل الواقع الذي تأسس منذ عقود في المنطقة. وأيضاً ليس بالضرورة أن «الحل» في الاتحاد أو الاندماج، بل على العكس من ذلك. فدول صغيرة جداً، في المنطقة وخارجها، أثبتت قدرة فائقة في ذكائها السياسي وفي إدارتها المحلية. بل إن بعض التجارب الخليجية، كما في أبوظبي وقطر والبحرين ودبي اليوم، ما يمكن أن يكون ملهماً للنمو والتفوق.

المطلوب بشدة اليوم، هو العمل الحقيقي على ترجمة قرارات التعاون بين دول المجلس، وإقامة مشاريع ضخمة مشتركة يستفيد منها إنسان المنطقة بشكل مباشر، فيشعر أنه فعلاً شريك حقيقي في وطنه «الخليجي»، من دون تمييز أو تعقيد.

كاتب ومستشار إعلامي

hattlan@post.harvard.edu