إن التشكل الثقافي لا يعني فقط إبداع نص، أو نظم قصيدة، أو نشر خواطر، كما يتّصور البعض، بل إنه يعني ببساطة ووضوح: تلاقح مجموعات هائلة ومركبة من منتجات الحياة الاجتماعية والسياسية، ومواريث المجتمع وعاداته وتقاليده وفولكلورياته وآدابه وفنونه ومختلف إبداعاته..
فضلا عن دور ذلك «التشكل» في إغناء مؤسسات الدولة بالمشروعات الجمالية والإنسانية، ناهيكم عن دور ذلك «التشكل» في تطوير المجتمع وعلومه ومعارفه وأساليب حياته، ووسائل راحته وملاعب أطفاله.. ليكون مجتمعا مدنيا، إضافة إلى دور ذلك «التشكل الثقافي» في تحديث الحياة الاقتصادية ومجالاتها النفعية والبنى التحتية وعمليات التبادل واحترام ساعات العمل.. الخ.
إن حصيلة ما يقدمه «التشكل الثقافي» في أية أمة تسعى نحو التطور والتحديث، هو جزء أساسي من عملية المنجز الحضاري.. ومن دون شك، فان المفكرين المتخصصين الذين لهم القدرة على صنع الاحكام بعد تقويم التجارب ودراستها، يعّدون من المثقفين الحقيقيين في أية أمة تحترم نفسها وتاريخها، إنهم يقفون على رأس ذلك «التشكل»، فمنهم جملة من المستشارين والمساعدين ومنهم التكنوقراط ومنهم نخب المبدعين..
وكلهم يجب أن يشاركوا صانع القرار في الخطط والمشروعات التي تعمل أساسا من اجل المستقبل على أسس علمية، من أجل التحديث، لا من اجل التراجع وعدم الاستجابة للتحديات..
ويبقى الاحيائيون مهما كانت فصائلهم وتوجهاتهم، عليهم أن يقيموا جسور حوار مع المثقفين المدينيين، من أجل أن تكون لهم مشاركاتهم ومنافعهم الحيوية في عملية الإرشاد والتهذيب وزرع مكارم الأخلاق، وأن يؤمنوا بالثقافة الحديثة ويشاركوا في مجالاتها الخصبة، أدبا وشعرا وفنا وغناء ورسما ونحتا وموسيقى.. فكرا وفولكلورا وإعلاما ومتغيرات اجتماعية وسياسية، وتعلم أساليب ونظم الحياة.. الخ.
وكل ذلك لا يتعارض أبدا مع الإسلام في جوهره الناصع ومبادئه السمحاء وتجلياته العظمى. وبعكسه فإن الحياة الحديثة والمعاصرة تطالب من يقف ضد أي نوع من تشكيلها الثقافي، بأن لا يستخدم وسائلها المتطورة ومنتجاتها التكنولوجية الجديدة.
لكن، كيف نفهم فلسفة التشكل الثقافي عند العرب والمسلمين؟ من أجل توسيع الرؤية في فهم هذا «المصطلح» (أو التعبير) والتعمق في فلسفته، لا بد أن ندرك أن مصطلح «الثقافة» نفسه إنما هو نحت لغوي ومعرفي عربي مستحدث، لا يرقى استخدامه لأكثر من سبعين سنة، فهو وليد القرن العشرين.
وعليه، فإن معانيه الجديدة لا تنطبق بالضرورة على عناصر ومنتجات ومنظومات تجد مرجعياتها في مواطن لا علاقة لها به أصلا، فضلا عما لحق به من دلالات واستخدامه في عدة توصيفات معاصرة كالوعي الثقافي، والتبادل الثقافي، والعلاقات الثقافية، والعناصر الثقافية، والمؤسسات الثقافية، والنخب المثقفة، والغزو الثقافي.. الخ.
وعليه، فإن الثقافة والمثقف ربما يستفيدان من عناصر التراث، أي تراث، مهما كانت طبيعته، من أجل توظيفه والاستفادة منه في المنتجات الحديثة والمعاصرة. ولكن التراث نفسه، والتراثيين أنفسهم مهما كانت طبيعتهما، لا يمكن أن يكونا ضمن الهيئة أو النخبة أو العناصر أو البنى الثقافية الحديثة والمعاصرة.
ولنا أن نتصور قوة التحولات في التشكلات الثقافية التي حدثت في العالمين العربي والإسلامي، إبان القرن التاسع عشر، ومؤثراتها النفسية والاجتماعية، ومنها مثلا: تغيير واضح في أساليب الحياة، وتغيير جملة كبرى من سكان المدن لأزيائهم باستحداث الأزياء الأوربية، ثم العمل والانتظام في تطبيق الأنظمة والقوانين والخطط الجديدة التي أقرتها دول العالم الإسلامي، مع استحداث المدارس المدنية والانتظام فيها، ثم مواجهة صدمات متتالية كانت تثير التساؤلات على أقل تقدير، إن لم تكن تثير الاندهاش، كالسفن البخارية والرسائل البرقية والتلغرام وانتقال الأخبار بواسطة الصحف التي لم يكن لها وجود قبل القرن التاسع عشر..
وصولا إلى صدمات متتالية آثارها وصول الغرامافون والراديو والسينما، ثم التلفزيون والأقمار الصناعية.. وغيرها من المعالم والتقنيات والتشيؤات الثقافية التي أثارت الوعي عند العرب والمسلمين! وهلم جرا في القرن العشرين، وصولا إلى ثورة المعلومات والاتصالات في بدايات قرن جديد.
المشكلة التي يمكن لأي إنسان أن يدركها في قراءة التشكلة الثقافية العربية، هي تمييزه بين جنسين من المخلوقات العربية: جنس تصنع منه الصدمات والتفكير بالتشيؤات الحديثة وعيا يدفعه للإبداع، وجنس آخر لا تصعقه المستحدثات، إذ قفل على نفسه ولم يفكر أبدا بقيمة ما يتمتع به من تلك التشيؤات الدنيوية! فالجنس الأول يمكنه أن يبدع فيغدو من المتمدنين، والجنس الثاني لا يمكنه البتة أن يكون جزءا من التشكلة الحضارية..
إننا أمام معضلة ستعاني منها الأجيال القادمة، ما دامت هناك نزوعات ضارة لأي مشروع وطني، أو مواقف ساذجة من التمدن وأساليب العصر.
باحث ورئيس تحرير «مدارات غربية»