حين يطالعنا التقرير السنوي لجهاز الرقابة المدرسية الصادر عن هيئة المعرفة والتنمية البشرية في دبي، بنتائج تقول إن ست مدارس في دبي من بين كل عشر لا تقدم تدريساً جيداً، وأن عشرين ألف طالب يتلقون تعليماً غير مقبول، فهي بلا شك صدمة تعليمية من العيار الثقيل!!
هي كذلك، ليس لأننا في غيبوبة عن المستوى التعليمي ودرجة التحصيل العلمي التي يخرج بها المتعلمون، بعد استنزاف زهرة أعمارهم غدوّاً ورواحاً من وإلى المدارس، ولكنها مفاجأة لأن الداء اكتشف متأخراً، بعد أن وصل إلى أكثر من نصف الجسد التعليمي ليصيب ستاً من عشر مدارس بالتعليم غير الجيد، في بلد يتطلع لمنافسة الدول الكبرى في الإنجاز والحصول على الرقم «1»، على جميع الأصعدة الحضارية التي لا تقوم لها قائمة إلا بالعلم والعلم أولاً.
ومع هول الصدمة التي أصابتنا وأصابت الكثير من أولياء الأمور والغيورين على حال أبناء الوطن التعليمي، إلا أننا في الوقت نفسه نقدر المستوى العالي من الشفافية والجرأة الذي تمتعت به هيئة المعرفة والتنمية البشرية، بأن شخصت الداء من دون محاباة أو تربيت على الأكتاف ونوم في العسل حتى يستفحل المرض ويستعصي على المعالجة، وهي إحقاقاً للحق، سياسة ونظرية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في وضع اليد على نقاط الألم لعلاجها أو استئصالها، وتوضحيها أمام الرأي العام. ومع ذلك فإن الأمر يحتاج إلى وقفة جادة، لتحليل مفردات ومصطلحات التقرير، ليتضح حجم المشكلة التي نحن بصددها.
فكيف يمكن إذن أن يتفشى هذا المرض العضال بين مدارسنا بوجود هيئة تقييمية للمدارس المحلية، حيث تخضع بشكل دوري لتقييم نقاط الضعف والقوة في كل مدرسة؟!
حسب جداول هيئة المعرفة والتنمية البشرية التقييمية للمدارس المحلية، فإنه يتم منح المدرسة درجة غير المقبول إذا كانت المدرسة تعاني نقاط ضعف واضحة، وتفتقر إلى القدرة على تحقيق تطور كبير من دون توافر الدعم اللازم، وعندما لا تفي المدرسة بالجوانب الرئيسية من وعودها التي قطعتها لأولياء الأمور، ولا يحقق عدد ملحوظ من الطلبة مستوى التقدم الدراسي المتوقع منهم، وإذا كانت مستويات التحصيل الدراسي غير مقبولة في واحدة أو أكثر من المواد الدراسية الرئيسية، وترتيبات التقييم الذاتي في المدرسة ضعيفة التطوير.
وكذلك فإن مديري المدارس لا يتمتعون برؤية واقعية تقيّم مستوى التعليم في مدارسهم، لذلك لا يعتمد التخطيط للتطوير على أولويات واقعية، ولا تلبي المدرسة بشكل كامل احتياجات عدد ملحوظ من الطلبة.
وفي المقابل، حسب جداول اللجنة، تخضع المدارس التي كان أداؤها العام بمستوى جودة غير مقبول، لعمليات رقابة مدرسية تتم كل ثلاثة أشهر. ولكن المشكلة أن المقيّمين التربويين يعتمدون على التقارير الخاصة بالأعوام الماضية، مما يؤهل المدرسة للانضمام إلى دورة الرقابة المدرسية التالية بمستوى تقييمي غير دقيق، وهكذا يدورون في الدائرة نفسها بلا تقدم!
جميل أن تكون لدينا الجرأة والحرص على وضع الأصابع على الأخطاء وتعرية جوانب النقص، وهو عمل صحي ندرك أهميته في مرحلة البناء النهضوي، وضرورته على طول الخط الحضاري الذي ننشده جميعاً، كدولة تطمح لإثبات ذاتها إقليمياً وعالمياً بأنها أهل للحضارة وصانع لها، وليست مجرد مستهلك لمنتجات الحضارة يدور في فلك الآخرين.
ولكن الأجمل من ذلك، أن يتم التعامل مع هذا المرض التعليمي بالقدر الكافي أيضاً من الجرأة والحزم، حتى لا يترك حبل المدارس مرسلاً على غاربها، ونتفاجأ بعد سنوات بأن مدارسنا جميعها تدور في فلك المقبول وغير المقبول، وأن طلابنا لا يعرفون من العلوم إلا القشور، ولا من المعارف إلا ثقافة عامة ضحلة لا تسمن ولا تغني من جوع.
وحين نقول هذا الأمر، نستحضر حرص وزارة التربية والتعليم متمثلة بوزيرها الذي نعلم غيرته على مصلحة أبناء البلد وعمله المتواصل لتقديم المستقبل المرجو للحقل التعليمي، كما أننا نستحضر عظم المسؤولية الملقاة على كاهل العاملين في الهيئات التدريسية والرقابية لتقديم الأصلح والأنفع، لأننا نعلم علم اليقين أن التعليم محور أي حراك تطوري.
وأن الأمة التي تجعل التعليم على قمة هرم أولوياتها تجعل الريادة في متناول يدها، وأن إهمال شأن التعليم تحت أي مبرر من مبررات الرفاهية وغياب الدافعية وتقلص حمى الحاجة عند كثير من الناس، نذير شؤم مستقبلي يحمل بذور ضياع المكتسبات الحضارية التي صنعها الآباء والأجداد.. ويقع الندم حين لا تنفع حسرة ولا ندم.
مديرة تحرير مجلة «بنت الخليج»