وأخيرا، طُرحت على بساط البحث اللبناني مسألة منح اللاجئين الفلسطينيين «بعض» الحقوق المدنية، التي حرموا منها طوال فترة وجودهم في مخيمات البؤس اللبناني. وبالرغم من أن ما يجري حاليا على هذا الصعيد، لا يتجاوز كونه سجالا كلاميا مراهقا بين أقطاب متباعدي الانتماء الإيديولوجي والطائفي والمذهبي.
إلا أن الأمر الإيجابي في ذلك، هو أن الحالة الواقعية لهذه المعضلة، والمستمرة منذ زمن بعيد، قد أطلقت مساعي معيّنة لملامسة هذا الواقع المؤلم، بكل جدية وإخلاص. ولا فرق، حسب رأيي، إن كان ذلك قد تم انطلاقا من الحالة الواقعية الأخرى، المتمثّلة بالوضع الطائفي اللبناني المشوه.
بداية، يجب الاعتراف للفلسطينيين بمعاناتهم طوال الأعوام الكثيرة التي خلت. وساللفتة الكريمة» حيال تصحيح الأوضاع السيئة على الصعيدين المعيشي والإنساني، لا يجب أن تكون منّة من أي طرف لبناني على أحد، بل هي في الواقع واجب أساسي كان على اللبنانيين بكافة شرائحهم أن يلتزموا به، لكنهم فشلوا في ذلك..
كان هناك فشل على الصعيد السياسي ـ الإيديولوجي، لكن أيضا على الصعيد الديني ـ الأخلاقي.
وليس من المجدي أبدا، في خضم ما يجري حاليا في لبنان، الانضمام إلى الجدل التائه الذي يريد تقسيم نسبة التزام اللبنانيين بقضايا فلسطين، وفق منطق انتمائهم إلى اليمين أو اليسار السياسي.
فثمة اعتقاد حقيقي بأن هذا التقسيم الإيديولوجي، لا ينسحب أبدا على حالة الفشل في تبنّي الواجب الذي سبق الحديث عنه، لأن هذا الواجب لم يتحقق أصلا على أرض الواقع، وبقي الفلسطينيون في لبنان غارقين في بحور مآسيهم.
وقد يكون مفيدا هنا نقل الصورة إلى أبعد من ذلك؛ أن جميع التيارات السياسية في لبنان، مسؤولة بشكل مباشر عن حالة الجمود التي تعتري وضع الفلسطينيين في المخيمات، لأنها، جميعها، لم تتعامل مع هذه القضية من منطق الحرص على تأمين العيش الكريم، ولم تقدّم الحلول الإنسانية الناجعة لصون كرامة مئات الآلاف ممّن تشرّدوا بسبب مأساة حقيقية، ما زلنا نعاني من تبعاتها حتى يومنا هذا.
كل ما تم تقديمه حتى الآن، لم يتجاوز حدود المشاريع المكتوبة على الورق، والتي ذاب حبرها أصلا في الأدراج التي تحتضنها.
للأسف، أن التعاطي مع قضية اللاجئين الفلسطينيين لم ينطلق من قناعات سياسية بحتة، بل تعدّاها ليتقوقع في ما هو أخطر من ذلك: الطائفية والمذهبية الضيّقة التي حاصرت نمو الوطن اللبناني، ومنعته من التقدم بشتى الطرق والأساليب المتوفرة.
وهنا تحديدا يكمن السبب في عدم قدرة التيارات الطائفية اللبنانية، ولا أقول السياسية، على ملامسة الواقع الفلسطيني في لبنان بالشكل الموضوعي المطلوب.
فلا يوجد يمين أو يسار في هذه المعادلة، لأنها معادلة مشوّهة أصلا. ولا أفهم، بالنظر إلى واقع الحال السياسي في لبنان، كيف يستطيع أي من الزعماء الطائفيين أن يدّعي انتماءه إلى اليسار، أو كيف يتجرأ آخر على تثبيت انتمائه إلى اليمين!
في الواقع، ثمة تشويهات خُلقية وخَلقية في كيفية التعاطي مع هذه التقسيمات، حيث إن المفاهيم اليسارية أو اليمينية المتعارف عليها في الديمقراطيات الغربية، لا تتساوى مع ما هو قائم حاليا في لبنان، إلا في ما ندر.
والأحزاب اليسارية الحقيقية مغيّبة عن السمع والتأثير، بسبب تحرّرها من الانتماء الطائفي، أما اليمين فيبدو متفرعا في اتجاهاته وتوجهاته، لدرجة أنه قادر أحيانا أن يكون جزءا من الخط اليساري. ولا نريد أن نتغلغل أكثر في تفاصيل الانتماء اللبناني، لكي لا نضيع في متاهات قد لا يتّسع لها هذا المقال.
هكذا هو لبنان. المشكلة إذاً، حسب رأيي، تكمن في أن الأطراف اللبنانية كانت طوال الفترة الماضية، ولا تزال، تسعى لاستيعاب تفاصيل المأساة الفلسطينية، انطلاقا من موقعها الطائفي فقط.
وقد سمح لها ذلك بأن تتمادى في اعتبار أي وجود فلسطيني كمسبب للقلق الدائم في المعادلة اللبنانية المشوّهة: إذا حصل الفلسطينيون على حقوقهم المدنية سيطالبون بالمزيد، وإذا حصلوا على الهوية سيطغى فريق على آخر، وهكذا...
إنها إذا أنانية طائفية، وربما غباء سياسي، كما قال مؤخرا أحد الزعماء اللبنانيين. لكن الاختلاف هنا يبقى في أن هذا الغباء لم يكن حكرا على جهة دون الأخرى، لأن النتائج الملموسة على أرض الواقع الفلسطيني في لبنان، تُظهر جيدا المعاناة التي توازي في حجمها الإنساني ما يعاني منه أبناء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة وغيره.
لقد كانت عملية قراءة المأساة طوال الأعوام الستين الماضية، مشوّهة وعدائية. أضف إلى ذلك سلسلة من الأخطاء التي ارتُكبت من كلا الطرفين، وأوصلت الأمور إلى أوضاع تصادمية كان الشعبان في غنى عنها.
والتصرف العدائي على الجانب اللبناني لا ينسحب فقط على القوى المسيحية المصنّفة في خانة اليمين، بل على قوى أخرى مصنّفة في خانة «اليسار المسلم»، والتي تقف اليوم، حمدا لله، في مقدّمة المدافعين عن القضية الفلسطينية.
أما الأخطاء على الجانب الفلسطيني فكثيرة أيضا، ولا تزال تفاصيلها واضحة للعيان حتى يومنا هذا، لا سيما في ما يتعلق بمسألة التمرد على السيادة اللبنانية، وإصرار البعض على لعب دور الروبوت الذي يتم تحريكه من الخارج كلما تطلبت الحسابات الإقليمية والدولية ذلك.
بدون أدنى شك، أن تفاصيل مثل هذه تبقى ضرورية، لوضع اليد على الجرح النازف في مسار العلاقات اللبنانية الفلسطينية. أما المطلوب في هذا الظرف الدقيق، فهو العمل بكل إخلاص لتضميده بما يساهم في رفع معاناة الشعب الفلسطيني، ومساعدته على تحقيق حلمه في بناء الدولة المستقلة الحاضنة لجميع أبنائها.
كاتب لبناني
ezzedine@volny.cz
