حصدت أعمال العنف الدموية العرقية المندلعة في جنوب قرغيزيا، وتحديدا في مدينتي أوش وجلال أباد القريبتين من الحدود الأوزبكية، بين إثنيتي الأوزبك والقرغيز، مئات القتلى وأضعافهم من الجرحى، فضلاً عن لجوء مئات الآلاف إلى أوزبكستان المجاورة.

قرغيزيا، هذه الجمهورية الصغيرة السوفيتية سابقا، التي تقع في قلب آسيا الوسطى، تبلغ مساحتها 200 ألف كيلومتر مربع، وعدد سكانها 3 .5 ملايين نسمة، وكانت تعتبر في السابق «واحة للديمقراطية» في قلب القوقاز، أصبحت اليوم على شفير الحرب الأهلية، جراء انفجار الصراع العرقي بين مكوناتها الإثنية.

إثنية القرغيز في آسيا الوسطى تنتمي إلى الشعوب التركية، وغالبيتها من المسلمين السنة، ويبلغ تعداد سكانها حوالي 5 .4 ملايين نسمة، يتوزعون بين قرغيزستان (8 .3 مليون نسمة)، والباقي موزعون على البلدان المجاورة.

أما إثنية الأوزبك، فهي تنتمي أيضا إلى الشعوب التركية، وغالبيتها من المسلمين السنة، ويبلغ تعداد سكانها حوالي 7 .34 مليون نسمة، تعيش غالبيتهم في جمهورية أوزبكستان (9 .23 مليون نسمة)، ويتوزع الباقون بين أفغانستان (9 .3 ملايين)، وطاجيكستان (9 .1 مليون نسمة)، وقرغيزستان (740 ألفا).

ويمثل الأوزبكيون 5 .14% من سكان قرغيزستان، لكنهم يشكلون ما يقارب نصف سكان جنوب البلاد. وهذه المجموعة الإثنية تتميز بأعمالها في قطاعي التجارة والخدمات، وتثير ثروتها الكبيرة أطماع وحسد بقية السكان. وتتواجد في الجنوب أيضا عصابات قوية للمافيا.

وفيما كان الأوزبكيون في الجنوب من أنصار الحكومة المؤقتة التي تترأسها وزيرة الخارجية السابقة روزا أوتونباييفا (59 عاما)، كان القرغيزيون في تلك المنطقة من أشد المدافعين عن نظام الرئيس القيرغيزي السابق كرمان بك باكييف، الذي أطاحت به الانتفاضة الدموية التي قادتها المعارضة في قرغيزستان يوم 7 إبريل الماضي.

ويسود غموض كبير حول الأسباب الحقيقية لانفجار هذا الصراع الإثني القرغيزي ـ الأوزبكي، علماً أنه من الناحية التاريخية، تعتبر العلاقات بين الأقلية الأوزبكية والقرغيز متشنجة. لكن هذا الغموض ينجلي عندما نعرف الفسيفساء التي تتكون منها قرغيزستان على الأصعدة الإقليمية، والديمغرافية، والإثنية.

فهناك الانقسام الإقليمي بين الشمال والجنوب، بسبب وجود سلسلة تيان شان الجبلية الوعرة، التي يصل ارتفاعها إلى نحو ثلاثة آلاف متر، وهي التي تفصل العاصمة بشكيك في الشمال، عن مدينة أوش في الجنوب.

ويمثل الشمال المركز الاقتصادي المنتج في البلاد، حيث يؤمن حوالي 45% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما يعاني الجنوب من الفقر، بسبب غياب الدولة وبالتالي غياب المشاريع التنموية التي تحقق التوازن على صعيد التطور بين الشمال والجنوب، إضافة إلى تأثيرات الأزمة الاقتصادية في البلاد، وإخفاق سياسات الخصخصة الليبرالية، وانتشار الفساد والرشوة على أوسع نطاق.

وهناك أيضا الانقسامات جنوب ـ جنوب، بسبب الصراعات العرقية التاريخية، في قلب منطقة مضطربة ومقسمة عرقيا في آسيا الوسطى، نظرا لوجود مجموعات عرقية عديدة.

الصراع القرغيزي ـ الأوزبكي جلب انتباه القوى العظمى، ولا سيما روسيا والولايات المتحدة الأميركية والصين، التي لها مصالح عسكرية واقتصادية في البلاد. وهو ليس بعيداً عن الصراع الدولي المحتدم بين روسيا والولايات المتحدة على هذه الجمهورية السوفيتية السابقة، التي أصبحت في قلب عمليات رسم الاستراتيجيات الجيوسياسية في آسيا الوسطى.

فللولايات المتحدة قاعدة «ماناس»، التي تبعد 25 كيلومترا عن العاصمة بشكيك، وهي تشكل مركز ترانزيت مهما تمر من خلاله أغلبية القوات الأطلسية إلى أفغانستان.

ولروسيا قاعدة عسكرية في «كانط» تبعد 20 كيلومترا عن العاصمة، وتتمركز فيها قوات التدخل السريع لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي، التي تضم كلا من روسيا وبيلاروسيا وكازاخستان وطاجيكستان وأوزبكستان وأرمينيا وقرغيزيا، والتي ترفض إرسال قوات لحفظ السلام إلى قرغيزيا.

أما الصين، فقد فرضت نفسها اقتصاديا بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، وأصبحت الشريك التجاري الأول لقرغيزيا متقدمة على روسيا، وبات سوق بشكيك العاصمة من أهم الأسواق الصينية في آسيا الوسطى.

ويشكل الصراع العرقي القرغيزي ـ الأوزبكي قلقاً سياسيا لهذه الدول العظمى، خوفاً من اتساعه ليشمل معظم جمهوريات آسيا الوسطى.

كاتب تونسي

tawfik-m@scs-net.org