أثار التشكيل الوزاري الأخير، الذي جاء بعد انتخابات غير متفق حول وسائلها ونتائجها، كثيراً من التكهنات والتقديرات والتحليلات. وقد أطلق الكثير من التسميات والصفات على الوزارة الجديدة.
وكان للتأخير الذي لازم إعلان التشكيل أثره في إطلاق التكهنات والشائعات، والتي جاءت الوزارة عكسها تماماً. فقد أرجع بعض المحللين التأخير لأسباب تتعلق بالمفاوضات مع الحزب الاتحادي الديمقراطي (الأصل)، والذي لم يلحق بالتشكيل.
ولكن هذا التأخير يقودنا إلى سؤال مهم لا نعطيه نصيبه من التحليل والفهم، وهو: كيف يصنع القرار السياسي في السودان؟ والأهم من ذلك: من الذي يصنع القرار السياسي؟
يتحدث البعض عن الدائرة الضيقة التي تحرك كل الأمور، ولكن دون اتفاق حول عددها وأثرها. كما أن هناك شخصيات تعد نافذة، ولكنها خرجت من التشكيل الوزاري أو حصلت على وزارات غير التي ترغب فيها. وهذه من علامات عدم الاستقرار في السودان، إذ يوجد مثل هذه المجموعة المحركة في كل النظم السياسية، حتى في أعتي الديمقراطيات.
ولكن في السودان الانشطاري، يصعب وجود جماعة متماسكة تحرك كل شيء، فالكل يرى أنه جدير بموقع التأثير. لذلك، جاءت هذه الوزارة هجيناً يحمل عدداً من الصفات والتسميات. ورغم أن مرحلة هذه الوزارة دقيقة وحاسمة، إلا أن الوزارة بدءاً من شكلها المترهل، مع تنافر مكونات أعضائها؛ توحي بالعجز وعدم القدرة على سرعة الحسم واتخاذ القرارات الصعبة.
كان السؤال الأول الذي انطلق منذ لحظة إعلان التشكيل، هو: لماذا هذا الجيش الجرار من الوزراء؟ وكان الرد السريع أنه لإرضاء وكسب أكبر قطاعات سياسية وقبلية وجهوية. ولكن لن يرضى عنك «المشتاقون» والطامعون والانتهازيون.
يطلق الإخوة المصريون صفة «السيد مشتاق» على الذين يجهزون أنفسهم مع كل تعديل وزاري. أما الطامعون فكثر، لأن الوزارة لم تعد تتطلب مؤهلات وقدرات عالية وصعبة، وهم في هذه الحالة يقارنون أنفسهم بكثيرين استوزروا في السابق، ولا يجدون فيهم ما يميز.
ومن المعروف أن نظام الانقاذ منذ اليوم الأول وظّف التوزير كأداة ترغيب أو «ذهب المعز»، مقابل ترهيب بيوت الاشباح. ومن الملاحظ أن أول تشكيل وزاري اشتمل على عدد كبير من غير الاسلامويين أو ما يطلق عليه تجاوزاً: شخصيات قومية، ولكنهم اختفوا سريعاً، فقد أدّوا مهمة التمويه الأولى.
واستمر قلائل كان آخرهم الاستاذ عبد الباسط سبدرات الذي انتهت مهمته الآن فقط، وكان النظام يتخذه دليلاً على قبول الآخر، حتى الشيوعيين! ولكن الآن بعد «التفويض الشعبي»، لم يعد في حاجة إلى مثل هذه الحركات.
ويجيد المؤتمر الوطني/ الانقاذ، مسألة الاستخدام المرحلي ثم التخلص من العبء في الوقت المناسب، فهو لا يطيق حمل أثقال غير مفيدة تعطله أكثر مما تنفعه في الحركة للأمام.
ويمكن تفسير تخلي المؤتمر الوطني عن العناصر المساعدة من خارجه، بأن المرحلة الحالية لا تحتاج إلى المؤلفة قلوبهم، فقد تكون مرحلة الانفصال وتجدد الحرب الأهلية في كل أحوال نتائج الاستفتاء، سواء الوحدة أو الانفصال.
وهذه الوزارة في بعض أوجهها تكاد تكون وزارة «الجهاد» أو الدفاع الشعبي، كتشكيل استباقي لما قد يحدث في الجنوب، خاصة وأن الحركة الشعبية بدورها تعاملت مع التشكيل بسلوك انفصالي باعتباره شأناً شمالياً، والدليل على ذلك أنها لم ترشح شخصيات من الصف الأول في الحركة.
وفي نفس السياق، توصل بعض المحللين إلى أن التشكيل الوزاري غلبت عليه الوجوه ذات الخلفية الأمنية والعسكرية، وصنفوا عشرة وزراء ضمن هؤلاء (الشرق الأوسط 18/6/2010).
ويرى البعض أن طبيعة تنظيم الإسلاميين كانت تكلف بعض الأعضاء بمهام أمنية لحماية التنظيم، وبعد الوصول إلى السلطة استمر هذا الوضع. وهذا التعليق قصد به ضرورة فهم دور الأمنيين في هذه الحالة، بطريقة مختلفة عن المعتاد.
ولكن المهم في الأمر أن هذا التشكيل ليس غافلاً عن المهددات الأمنية حسب تصوره، ويرى أنها ليس بالضرورة أن تأتي من الجنوبيين أو الدارفوريين، فبعض نشاطات المعارضة قد يقع في هذا المحظور. وعلى المعارضة أن تدرك أن السودان حتى التاسع من يناير 2011، في حالة طوارئ ووضع استثنائي.
واعتبر بعض المراقبين أن التشكيل الوزاري الحالي أعطى الأطراف فرصة نادرة للحكم، وكان عنوان أحد التقارير: الأطراف تحكم الخرطوم (صحيفة الأحداث 17/6). وقد استند التقرير في فرضيته إلى أن دارفور حصلت على خمس وزارات اتحادية، وحظيت شمال كردفان بأربع وزارات، ونال شرق السودان وزارة سيادية هي الداخلية وثلاث وزراء دولة.
ومثل هذا التحليل، رغم أنه يحاول أن يكون ايجابياً بمعني إعطاء مؤشرات لتوزيع السلطة خارج المركز، إلا أنه في الحقيقة يكرس فكرة القبلية والجهوية. فما فائدة وجود حزب وطني وإسلامي، أي المؤتمر الوطني، حين ننكص ونقسم الناس حسب مناطقهم وجهاتهم؟ ويذهب البعض إلى أن هذا التشكيل يحتوي تحديات رمزية للمحكمة الجنائية الدولية، ويتمثل ذلك في تعيين محمد بشارة دوسة وزيراً للعدل، وهو من قبيلة دارفورية.
فهذا التعيين يفحم المحكمة بأن أهل دارفور هم الذين يديرون وزارة العدل، لذلك لا يوجد أي منطق في ذهاب شكواهم إلى لاهاي. وقد كتب أحد المعلقين: «.. وإنما ليعمل أوكامبو ومحكمة لاهاي ألف حساب لهذا الغرباوي الزغاوي.
حينما يتناجزان تحت لافتة العدالة حول قضية الغرب الأولى والزغاوة المركزية. فدوسة زغاوي أصيل وغرباوي صميم، ولا عزاء لأوكامبو» (الصحافة 17 يونيو 2010). هكذا ينظر إلى التشكيل من زوايا قد لا تخطر على البال من اللحظة الأولى.
يصف بعض الوزراء التشكيلة الجديدة بأنها: حكومة الوحدة والتنمية، ويقول آخرون بأن أولوية الحكومة الجديدة هي للخدمات وسلام دارفور، ويعتبرها مؤيدون: وزارة شابة. أما المعارضون فيرون أن هذا العدد دليل عدم كفاءة وتوزيع عشوائي للمهام، وسيكون قيداً على الإنجاز. وبالفعل العدد كبير وغير معتاد: 35 وزيراً مركزياً و42 وزير دولة، أي 77 وزيراً فعلياً، لأن المهام قد تنقص ولكن الامتيازات والمخصصات هي نفسها.
ويمكن أن نضيف الوزراء الإقليمين، فهناك 26 ولاية ولكل ولاية على الأقل ستة وزراء. هذه أعباء اقتصادية هائلة تتحملها الميزانية المنهكة أصلاً، وهي بالتأكيد خصم على أي تنمية ممكنة.
ولكن الأهم من كل هذا، هو أن فكرة التغيير غائبة، بل هي حكومة الأمر الواقع، ويرى كثيرون أن المؤتمر الوطني ضحى فيها بفكرة المصالحة، وهو الذي ردد قبل ذلك «تكوين حكومة ذات قاعدة واسعة»، بينما نقص عدد الشركاء السابقين..
كاتب وباحث سوداني
ssc_sudan@yahoo.com
