حينما تكون في حالة استرخاء تام بين اليقظة وعدمها، بين الواقع والخيال، بين خيوط الفجر الأولى، ونهاية اليوم، وبداية غروب الشمس، حين ذاك تختلط كل الأوراق، ولا يعود للزمن قيمة تذكر، هي تلك الحالة التي قد تعني بداية الحياة أو نهايتها.
وحين ذاك تدرك أن الكون أكبر من عالمك الصغير، وأن من كان صغيراً قد يمارس سلوكاً يبين أنه لا يدرك أن ما قد يأتي بسهولة يذهب بسهولة أيضاً، وذلك ما أكده العديد من نظريات الفلسفة لدى العديد من الأمم.
لكن يبقى من تأسس بشكل صحيح، ومر بكل المراحل في التطور هو ذلك الإنسان الحكيم، أما الأحمق فهو الذي يعتقد أنه يتحكم في مصير من حوله من البشر، وأن الآخرين ليسوا أكثر من أحجار شطرنج، أو شخوص خيال الظل يحركها كيفما يشاء، ولا يدرك للحظة أن الكون قد تشكل على مدى بعيد، وأن العالم قد تطور لمدة طويلة، أما الظواهر العابرة.
فهي لا تخلق تاريخاً ولا تؤسس لحضارة، ولا تصنع علاقات صحية بين الأمم تقوم على العدالة واحترام حقوق الإنسان أيا كانت مشاربه، سواء كان من دول الشمال التي تملك المال والسلطة أو دول الجنوب التي يبدو أنهم يريدون أن يكتب لها التهميش ولشعوبها الجوع والقهر، هذا هو الدرس الأول للعقلاء، أما أولئك الذين لا يدركون ذلك فهم كالدخان يختفون سريعاً في هذا الكون الواسع.
في ظل هذه الأجواء من عدم التوازن بين الواقع والخيال، برز ذلك الصديق القديم، وأدركت أنه قادم من جديد، يقرع الأجراس ليقول لي إني هنا! ويتطفل كما هي العادة في عالمي الخاص، هذا العالم الذي لا أريد لأي كان أن يتدخل فيه من دون استئذان، أو يقتحمه عليّ.
أدرك أن البعض مثل السراب، ومن يعتقد البعض أنه حقيقة يحاول الجري خلفه للوصول إلى ذلك السراب، ولا يدرك أن هذه هي بداية النهاية لحياته، حيث إنه يستهلك طاقته في البحث عن اللاشيء، وقد يساعده على ذلك كل القوى الانتهازية، والتي كادت أن تزول، إلا أن الحماقة ومحاولة الخروج من اللاشيء إلى الوجود هي الخطوة الأولى للنهاية.
توجهت نحو ذلك الصديق اللدود في محاولة لمعرفة ما الذي يفكر به؟ ضحك من أعماقه، ونظر إلي بغضب شديد، وخرجت الكلمات من أعماقه بحقد شديد: هل تحاول أن تخرجني من الوجود، أم هي محاولة لكسب الوقت؟!
لا هذه ولا تلك، أجبت ببرود غير معهود، إنما هي محاولة لمعرفة الحقيقة، ألا تدرك أن البقاء لمن يعمل للمستقبل، ولا يعتمد على القوى الخارجية لتثبيت ذاته، إن من لا جذور له مغروسة في الأرض، ولم يتشكل طبيعيا، هو في الواقع متسلق مثل تلك النباتات الطفيلية التي تنمو على جذوع الأشجار.
وتسابقها في النمو، حتى تصل في أيام معدودة إلى الارتفاع الذي لم تصله تلك الأشجار إلا في سنين طويلة، ولكن كما نمت سريعاً تموت سريعاً، على حين الأشجار تظل واقفة للأبد.
إن الأمم التي اعتمدت على القوانين والأعراف والعادات، ظلت صامدة طويلاً، لكن تلك التي سارت عكس ذلك ماتت ولم تعد جزءاً من الحياة البشرية في كافة المجالات الإبداعية.
لذلك فإن هناك العديد من الحضارات هي التي صنعت التاريخ، وأرست دعائمه على أسس متينة، على حين أن العديد من الثقافات لا يذكرها التاريخ، بل هي مثل الرماد الذي مر عليه ريح فلم يعد له وجود في هذا الكون وذراه هباء منثورا.
كم من فرد اعتقد أنه مركز الكون في لحظة من اللحظات، إن الزمن هو مع من يحقق العدالة والتوازن والعطاء، وإنكار الذات، والتي هي العدو الأول للإنسانية.
إن الذاتية، هي البداية الأولى للتدمير، ليس على المستوى الفردي، بل ربما على المستوى الاجتماعي، ومن ثم على المستوى الوطني والقومي، ألم يكن ذلك هو الذي حرك التاريخ البشري!
من المشكلات التي دمرت العديد من المجتمعات، حينما يتولى المسؤولية من لا يملك الرؤية الحقيقية للحياة، ويعتقد أنه يملك إكسير الحياة للآخرين، ولا يدرك أن ذلك باطل ليس له علاقة بالحق.
أتذكر هذا للعديد ممن اعتقدوا أنهم فوق الجميع، ولا يدركون أن هذا الوهم هو النهاية؟ الوقت يمر ويبدو أن الصديق اللدود لم يعد مكترثاً لما أقول، وأنه غادرني دون أن يقول وداعاً أو أن يعلق سلباً أم إيجاباً على ما أقول، فبت كمن يخاطب نفسه، ومع ذلك لا شيء مهم.
فإنني ما زلت في حالة الاسترخاء التي انطلقت منها، وما زلت على قناعتي أن لا شيء يدفعني للجري وراء السراب، لأنني أنتمي لحضارة مغروسة جذورها في أعماق تربة الوطن.
أستاذ علم الاجتماع السياسي
almutawa_mohammed@hotmail.com