يُحب معظم المعلقين على النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، سواء كانوا دبلوماسيين أم صحافيين أم ناشطين، التذكير بأن «حل الدولتين من أجل شعبين» قد أصبح فكرة راسخة في الأذهان منذ زمن بعيد الآن.

وهذا ما يفسر ترديدهم المعتاد لعبارة «عملية السلام»، والتي ربما تعرف تسميات مختلفة، ولكنها تبقى في نهاية المطاف عملية متواصلة. بمعنى آخر، هي حركة سوف تقود في نهاية الأمر إلى تقسيم الأرض بين الطرفين، عند حدود معروفة لدى الجميع، فيما عدا بعض التفاصيل العالقة الصغيرة.

وهناك محطات زمنية متفرقة تشهد على العملية: اتفاق طابا الذي كاد ينجح سنة 2001، خطة السلام التي قدمتها الجامعة العربية سنة 2002، «خارطة الطريق» سنة . .2003.

إنها فترة من الزمن احتضرت تحت العمليات الفدائية للفلسطينيين والهجمات الانتقامية للإسرائيليين، فيما تنتظر «العملية» فرصة جديدة في الأفق لمواصلتها.

ألم تُظهر الاستطلاعات أن الأغلبية الساحقة في كلا الجانبين قد تخلت عن سياسة التشدد في ما يخص الأرض؟ أليست إسرائيل يرأسها شخص حاز على جائزة نوبل للسلام؟

ولكن، إن كانت هناك بالفعل عملية تسير على أرض الواقع، فإنها بالتأكيد لا تصب في المفاوضات بقدر ما تصب في احتلال الأراضي؛ إنها حركة لم تتوقف منذ عقود، إلاّ أثناء ولاية حكومة رابين التي حاولت أن تضع حداً لها.

أما سياسة «فك الارتباط» عن غزة سنة 2005، فلم تضع حداً للاحتلال، بل كانت بداية لشكل جديد من الحبس وإعادة توجيه الاستيطان نحو الضفة الغربية. وطبعاً، هذه الحركة الدؤوبة لا تتواصل في غفلة من السلطات، بل بمشاركتها الفعلية والتي لم تحاول يوماً أن تنفيها، خصوصاً تحت حماية جيش من المجندين وتمويلات من القطاعات العمومية.

ومن المعتاد تحت هذه الظروف إلقاء اللوم على انعدام الاستقرار في الحكومات الإسرائيلية، التي غالباً ما تتشكل عن انتخابات تُجرى وفق نظام النسبية الكلية، والتي تكون دائماً تحت رحمة تحالفات هشة.

هذا النظام من شأنه أن يمنع أية محاولة لتبني سياسة واضحة ومتواصلة تجاه القضية الفلسطينية. وكأننا نتناسى أن نسبة 90% من النواب ينتمون إلى أحزاب تدعم سياسة الاستيطان، سواء كان ذلك لدوافع أيديولوجية أو أمنية أو حتى من باب التوافق مع الاتجاه السائد.

هناك، إذن، سياسة واضحة ومتواصلة، ولكن في اتجاه التوسع، عن طريق الاستيلاء على المزيد من الأراضي. فمعدل نمو المستوطنات اليهودية داخل الضفة الغربية، يصل إلى 5 .5% سنوياً، أي ثلاث مرات معدل النمو الطبيعي للسكان الإسرائيليين.

كما أن نصف أراضي الضفة الغربية تقريباً، يبقى إما ممنوعاً دخوله على الفلسطينيين أو يتطلب الحصول على ترخيص خاص. وربما تكون هناك أصوات ناقدة داخل إسرائيل، بما في ذلك أصوات من داخل الكنيست، ولكنها تبقى هامشية وليس لها أي تأثير يذكر على سير الأحداث.

بعبارة أخرى، إذا كان هناك من إجماع للرأي داخل الدولة العبرية، فإنه ذاك الذي يدعو إلى الحفاظ على الوضع على هو عليه، حين يتعلق الأمر بقضية الاحتلال.

وهو ما يُعبّر عنه صحافي جريدة هاريتس جدعون ليفي بقوله: «باستثناء جماعات متواضعة، ليست هناك احتجاجات أو تعبئة حقيقية» (ننصح بقراءة مجموعة مقالاته: غزة، مقالات لصحيفة هآرتس، 2006-2009، منشورات لا فابريك 2009).

وليس هذا بغريب، إذا ما تَمعّنا في المزايا التي تصاحب هذه الحالة: فأصوات التنديد التي نسمعها بين الفينة والأخرى، يغطي عليها تأييد دبلوماسي واقتصادي متواصل من الولايات المتحدة وأوروبا.

ولا أدل على ذلك من قبول انضمام إسرائيل إلى منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي، وهو القرار الذي وصفه بنيامين نتنياهو بأن له «أهمية استراتيجية». إنه بالفعل فوز تاريخي، حيث إن ترشيح إسرائيل كان مبنياً على معطيات اقتصادية تشمل، وعلى الضد من كل القوانين، جميع الأراضي المحتلة.

ومن أجل دق المسمار الأخير في النعش، لم تتمالك وزارة الخارجية الفرنسية عن الإعلان أن باريس «سهرت على أن تُجرى العملية بطريقة موضوعية وتركز على المعايير التقنية». بطريقة موضوعية إذن، أصبحت الأراضي المحتلة جزءاً من إسرائيل.. حقاً، كلام له دلالات ولا أوضح!

الإسرائيليون ليسوا الوحيدين الذين يؤمنون بأن الفلسطينيين هم المسؤولون المباشرون عن وضعيتهم؛ فالدول الصناعية الكبرى في العالم تدعم وجهة النظر هذه وتكافئها أيضاً. فلماذا إذن التخلي عن استراتيجية رابحة، خصوصاً إذا كان هناك احتمال لاندلاع ثورة من المستوطنين المتعصبين؟!

طالما بقي الوضع على ما هو عليه، أقل كلفة من ضرورة اقتسام فلسطين مع شعب آخر، فليس هناك ما سيجعلهم يغيرون رأيهم.

أستاذ بمعهد الدراسات السياسية في باريس والرئيس السابق لمنظمة «أطباء بلا حدود»

opinion@albayan.ae