«هل التعليم الخاص سيئة؟»، هذا هو السؤال الذي طرحه الأستاذ عبد الغفار حسين في مقاله المنشور على هذه الصفحة يوم الاثنين الماضي، ردا على المقال الذي كتبته بتاريخ 31 مايو تحت عنوان «لماذا لا نلغي التعليم الخاص؟».
وطرحت فيه عددا من الأسئلة عن وضع هذا التعليم، من واقع تقارير الرقابة المدرسية التي نشرتها هيئة المعرفة والتنمية البشرية في دبي، حول أوضاع التعليم الخاص والعام خلال العامين الدراسيين الأخيرين.
بداية يجب أن أسجل للأستاذ عبد الغفار حسين تماسه الدائم مع قضايا المجتمع، وصراحته وجرأته في الطرح حتى لو اختلف معه أقرب الناس إليه، الأمر الذي يحسب له وليس عليه.
حيث إن كثيرا من مثقفينا وكتابنا يتجنبون الخوض في المسائل الخلافية تحاشيا لإغضاب الغير، أو خشية إفساد الود الذي يفسد له الخلاف في الرأي قضايا كثيرة، وليس قضية واحدة كما ندّعي.
هذا ما عرفناه عن «بونبيل» الذي نحتفظ له دائما بصادق الود، ونقدر طرحه، حتى لو اختلفنا معه، لأننا واثقون أنه لن يختلف معنا على مصلحة الوطن.
يوافقني الأستاذ عبد الغفار في بداية مقاله على أهمية التعليم، ويرى أن تعقد له ندوات في وسائل الإعلام، وهو أمر تؤكده قيادة دولتنا في كل مناسبة، وتوليه الاهتمام الذي يستحقه.
وما حضور صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم الأسبوع الماضي جانبا من اجتماع لجنة المناهج الوطنية المنبثقة عن مجلس الوزراء الذي عقد في قصر الرئاسة بأبوظبي، إلا واحد من الشواهد على ذلك.
حيث اطلع سموه على المراحل التي قطعتها اللجنة في متابعة موضوع إضافة «رؤية الإمارات 2021» كوثيقة وطنية، إلى المناهج الوطنية على مستوى مدارس الدولة، وتدريسها للطلاب والطالبات في مختلف المراحل التعليمية.
مؤكدا أهمية هذه الوثيقة التي تهدف إلى غرس القيم والمفاهيم الوطنية الأصيلة في نفوس الطلاب جيل الغد، حتى لا تضيع الفرصة على أبناء وبنات الوطن، من مختلف الأعمار، في التعرف على القيم الفاضلة ومفهوم الانتماء والولاء للوطن وقيادته.
هذا الاهتمام بالهوية الوطنية الذي يؤكده الكثير من المواقف، يعكس خوفا وقلقا على هويتنا الوطنية من قمة الهرم إلى قاعدته، مصدره «التعددية الثقافية الناتجة عن التركيبة السكانية»، التي قال الأستاذ عبد الغفار عنها إن «من منا يظن أن هذه الظاهرة؛ ظاهرة التعددية الثقافية، غير صحيحة، بل هي لا تخلو من سيئات، ويدعو إلى التصدي لدفعها إلى التراجع، فهو غير مصيب، وقد يكون مخطئا...».
فنحن لسنا ضد التعددية الثقافية لو كانت هويتنا الوطنية هي الطاغية على المشهد، أو لو كان لها على الأقل نصيب لا يقل عن نصيب الثقافات الأخرى، في حين يفترض أن يكون نصيبها هو الأكبر بحكم أننا أصحاب الأرض.
لكن ما نشاهده على أرض الواقع لا يعطي هذا الانطباع، ونعتقد أن المدارس الخاصة تلعب دورا في طمس هويتنا الوطنية وتغييب ثقافتنا العربية والإسلامية، لأنها لا تولي هذه الهوية والثقافة الاهتمام الكافي.
نتفق مع الأستاذ عبد الغفار على «أن انتشار هذه المؤسسات التعليمية الخاصة أمر طبيعي في بلد متعدد التركيبة السكانية، وفيه أكثر من مئتي جنسية يمثلون ثقافات مختلفة، ونموذج حضاري مدني يقل له مثيل في دول منطقة الشرق الأوسط»، لكننا نعتبر هذا مقبولا عندما يكون عدد هذه المؤسسات التعليمية محدودا.
أما حين يكون عددها في إمارة واحدة فقط هو ضعف عدد المدارس الحكومية تقريبا (131 مدرسة خاصة مقابل 78 مدرسة حكومية في إمارة دبي، وفق تقرير هيئة المعرفة)، فإن الوضع هنا يصبح معكوسا، ويصبح التعليم الخاص هو الأصل والتعليم الحكومي هو الفرع، وتصبح الهوية الوطنية في خطر.
بل تصبح «الوطنية في مشكلة، وهي مهددة بأن يجد المواطن نفسه في يوم من الأيام قد خسر كل شيء»، ليس «على حد قول هؤلاء» الذين سماهم الأستاذ عبد الغفار «الحريصين على المصلحة الوطنية في كل وقت»، وإنما بمنطق الأشياء والتاريخ.
نعم، نتفق مع الأستاذ عبد الغفار على أنه «من حق الناس الذين يعيشون في هذا البلد من ذوي الثقافات والجاليات المختلفة، الحق في أن تكون لهم مؤسساتهم التعليمية التي تعلم أبناءهم ما يختارونه من التعليم» عندما نتحدث عن ما يطلق عليه «مدارس الجاليات» فقط، لكننا نتحدث عن المدارس الخاصة التي أصبحت تمثل النسبة الأكبر من المؤسسات التعليمية في بلدنا، وفق تقارير هيئة المعرفة التي أشرنا إليها.
والمصيبة أن أغلب المواطنين المقتدرين، بل وحتى ذوي الإمكانات المحدودة، يحرصون على إدخال أبنائهم هذه المدارس ظنا منهم أنها تقدم تعليما أفضل من المدارس الحكومية، في حين أن التقارير المنشورة على موقع الهيئة تقول خلاف هذا، كما أتمنى على الأستاذ عبد الغفار قراءة التحقيق الذي نشر في العدد نفسه من «البيان» عن رأي أولياء الأمور في هذه المدارس.
ثم يعود «بونبيل» ليتفق معنا على «أهمية اللغة العربية والثقافة العربية والوطنية بوجه عام»، ويقترح «أن تقوم وزارة التربية والتعليم بمساعدة المدارس والمعاهد الخاصة التي يكثر فيها المواطنون، على القيام بتدريس العربية وتقديمها»، لكنه يقول إن «هذه المدارس والمعاهد والجامعات ليست كثيرة، وهي التي تعتمد مناهجها على اللغة الإنجليزية» على خلاف ما تقوله التقارير مرة أخرى.
وعلى خلاف ما نشاهده على أرض الواقع، حيث تحولت حتى الجامعات الحكومية إلى التدريس باللغة الإنجليزية وإلغاء اللغة العربية تماما، رغم كل الحديث الذي نسمعه عن الحفاظ على الهوية واللغة، أما الجامعات الخاصة فلم تضع اللغة العربية أساسا في حساباتها.
يجب أن لا ننكر أن التعليم الخاص يلعب الآن دورا كبيرا في العملية التعليمية، بل إنه يلعب الدور الأكبر، لكننا لا نريد أن يكون هذا على حساب المستوى الذي يقدمه، ولا على حساب التعليم الحكومي الذي يجب أن يكون الأفضل، ولا على حساب هويتنا الوطنية التي نؤكد أنها باتت مهددة ولا دون قواعد تضبط مسار هذا التعليم، لأن وضع التعليم بشقيه العام والخاص على ميزان الحسنات والسيئات أصبح ضروريا، مثلما هو ضروري هذا الحوار ومفيد وحضاري.
كاتب إماراتي
aliobaid4000@yahoo.com
