لم تكن هذه هي المرة الأولى التي نسمع فيها حديثا إسرائيليا عن تصدير مشكلة الوضع المأساوي في غزة إلى مصر، وتحميلها المسؤولية عن القطاع الذي قاسى من حصار غير إنساني وغير مشروع، ومن آثار احتلال جاوز الأربعين عاما مارست فيها إسرائيل كل الجرائم النازية بانحطاط يتفوق حتى على النازيين أنفسهم.
لم تكن هذه هي المرة الأولى؛ فالحديث قديم عن خطط إسرائيلية لإلحاق غزة بمصر، ثم إلحاق ما يتبقى من الضفة بعد ابتلاع معظمها بالأردن، وقتل أي مشروع للدولة الفلسطينية.
لكن الحديث هذه المرة يأتي من وزير مسؤول في الحكومة الإسرائيلية، ويأتي في ظل إدانة عالمية للحصار الإسرائيلي، وفي ظل الأزمة التي ثارت مع جريمة إسرائيل البشعة ضد قافلة الحرية واستشهاد تسعة من الأتراك وتصاعد الموقف بين إسرائيل وتركيا.
وفي ظل إقرار داخل إسرائيل نفسها بفشل الحصار في تحقيق أهدافه، والبحث عن سبل لتخفيف الخسائر التي لحقت بإسرائيل بعد جريمتها.
ومواجهة الضغط العالمي لرفع الحصار عن مليون ونصف المليون يواجهون الموت والجوع على يد محتل يريد أن يمارس فعل الاحتلال دون أن يدفع تكلفته، بل وأن يفرض على ضحايا احتلاله أن يضمنوا أمنه ويحرسوا الأرض التي يغتصبها منهم، ويساهموا في بناء المستوطنات لمغتصبي الوطن، مقابل لقمة العيش المغموسة بدماء الشهداء.
وقد ردت مصر بعنف على هذا الإعلان الإسرائيلي الذي ينبغي أن يؤخذ بجدية على المستويين الفلسطيني والعربي، حتى وإن كانت الظروف لا تسمح لإسرائيل بالمضي في تنفيذه الآن، لما يؤدي إليه من تداعيات تعرف واشنطن أساسا مدى خطورتها..
المهم أن ندرك أن هذا الحديث ليس فقط سطورا في دراسات أكاديمية أو مقالات صحافية، بل هو جزء من رؤية للمستقبل عند فريق قوي في إسرائيل، وإذا كان التلويح به حتى الآن يدخل في باب التهديد وابتزاز المواقف تجاه مصر.
فإنه في المدى البعيد لن يقف عند هذا الحد إذا وجد ظروفا ملائمة، وإذا وجدت القوى التي تستهدف مصر أن من مصلحتها زيادة إرباكها، في وقت تزداد فيه التحديات الداخلية وهموم قضايا أساسية.
مثل مياه النيل والأوضاع في السودان الشقيق، أو ـ على الناحية الأخرى ـ إذا وجدت إسرائيل نفسها أمام موقف دولي حاسم يفرض الدولة الفلسطينية قي حدود 67.
ويضع إسرائيل في مواجهة العالم وأمام الحقيقة التي يحاول اليمين الإسرائيلي الحاكم والمسيطر أن يهرب منها، اعتقادا منه بأن أي دولة فلسطينية حقيقية ـ مهما كانت الضوابط والضمانات ـ هي بداية النهاية لهذا الكيان العنصري الدخيل على المنطقة.
وهي النهاية التي أوجعهم أن يسمعوها أخيرا في البيت الأبيض من الصحفية الشجاعة هيلين توماس، التي واجهتهم بأن الحل هو أن الأرض لأصحابها وأن يعودوا من حيث جاؤوا، إلى بولندا وألمانيا وأميركا وسواها.
قالتها هيلين ودفعت الثمن، ولكنها كشفت أيضا الوجه الحقيقي لديمقراطية خاضعة للنفوذ الصهيوني، في تقاتل من أجل ألا تدان إسرائيل على جريمة بحجم الهجوم على سفن مدنية في مياه دولية تحمل الغذاء والدواء لشعب تحت الحصار.
ثم تنتفض غضبا لكلمات تعبر بها صحفية لها شأنها عن رأيها، فتجبر على الاستقالة ويسرع البيت الأبيض بإدانة ما قالته، باسم الرئيس أوباما الذي لم يشعر تجاه ضحايا قافلة الحرية إلا ب«الأسف العميق»!
إسرائيل تشعر بالفعل أنها تحت حصار عالمي يزداد يوما بعد يوم، وتساهم في تفعيله أخطاء وجرائم ترتكبها تكشف طبيعتها العنصرية، لتجد نفسها يوما بعد يوم في موقف شبيه بالنظام العنصري السابق في جنوب إفريقيا والذي كانت أقرب حلفائه قبل سقوطه.
وإذا كانت جريمة قافلة الحرية قد فتحت ملف الحصار اللاإنساني المضروب على غزة، فإنها ـ تحت الحماية الأميركية ـ تحاول الهروب من حتمية رفع الحصار، بالحديث عن تخفيفه أو تجميله، بالسماح بإدخال بعض البضائع وتسليم بعض شحنات الإسمنت والحديد (التي تعتبرها من أسلحة الدمار الشامل!) عن طريق مؤسسات الإغاثة الدولية، مع إبقاء الحصار البحري ومنع الانتقال بين غزة والضفة وتكريس الانفصال بينهما.
وإذا كان التلويح بتصدير المشكلة إلى مصر وتفجير الموقف معها، يستهدف فرض شروطها لتخفيف الحصار بدلا من إنهائه، فإن الرد لا ينبغي أن يتوقف فقط عند رفع الحصار جزئيا أو كليا، وإنما الرد في الإصرار على أن قضية الاحتلال هي الأصل.
وأن فتح الطريق بين غزة والضفة أهم حتى من رفع الحصار البحري، وأن تعاطف الرأي العام العالمي مع قضيتنا لن يتحول إلى عامل حسم لصالحنا، إلا إذا استند إلى قاعدة صلبة من وحدة وطنية فلسطينية وموقف عربي موحد.
قلنا ذلك كثيرا ولا ينبغي أن نمل من تكراره أو نتوقف عن الجهد لتفعيله، مهما كانت العقبات ومهما كان حجم خيبات الأمل مما جرى ويجري على الساحة الفلسطينية والعربية.
وأظن أن كل الأطراف أصبحت أكثر إدراكا لحجم الخطر الذي يمثله استمرار الانقسام، ولعل الأفكار التي طرحت أثناء زيارة عمرو موسى لغزة وانفتاح الطريق لمباحثات وفد منظمة التحرير مع قيادات حماس، تعبر عن ظروف أفضل لإتمام المصالحة.
ودون الدخول في تفاصيل، فإن المهم أن ينطلق الطرفان من رغبة حقيقية في التفاهم، ومن إدراك بأنه لا شيء يفوق في أهميته الآن تحقيق الوحدة الوطنية، خاصة إذا كان من يفاوض يعرف أن الطريق مسدود.
ومن يقاوم يعرف أن تفعيل المقاومة لا يكون باستنزاف الجهد في صراع الإخوة الأعداء، وإذا كان العدو لا يأبه لإدانة العالم لجرائمه ما دام تأثيره في القرار الأميركي على قوته.
وما دام الضعف العربي سيد الموقف، وما دام الانقسام الفلسطيني يعطيه القدرة على ممارسة الوقاحة لآخر مداها، فيعلن عن السماح بدخول الحمص والبسكويت لمليون ونصف المليون يعيشون في سجن كبير بغزة، في نفس الوقت الذي يعلن فيه عن بناء 1600 منزل جديد في القدس المحتلة.
ليؤكد أن الجريمة مستمرة وأن الأرض لهم.. أما نحن فلنا ـ حتى نتخلص من ضعفنا وانقسامنا ـ الحمص والبسكويت، و.. عميق الأسف أو بعض العزاء!
كاتب مصري
galal.aref@hotmail.com