هذا أبرز ما يمكن أن يوصف به القطاع الخاص في دولة الإمارات، فهو حاضرٌ وبقوة في اقتصاد الدولة حيث يجني الأرباح الكبيرة من وراء سياسة الإمارات التنموية الجاذبة للاستثمارات إلا أنه غائبٌ بكل معنى الكلمة في إبراز مسؤوليته تجاه المجتمع الإماراتي.
ففي كل الجوانب يشهد القطاع الخاص حضوراً واضحاً إلا في جانب المسؤولية المجتمعية التي من المفترض أن يكون القطاع الخاص جزءاً أساسياً في تأصيلها في الدولة كما هو معمول به في بقية دول العالم لاسيما المتقدمة منه، فهذا أقل ما يمكن أن يقدمه هذا القطاع للوطن الذي سهل له بيئة عمله.
في دولتنا وإلى يومنا هذا نجد القطاع الخاص ينعم بنمو وازدهار مادي إلا أنه لا ينشغل على الإطلاق برد المعروف ولو بجزء بسيط إلى مجتمعه إلا ما ندر منه. وهنا نقف وقفة المعاتب على القطاع الخاص في دولة الإمارات في جانب هام من الجوانب الأمنية التي يلعب القطاع الخاص وللأسف دوراً سلبياً فيها ألا وهي مسألة إسكان العمال.
فشركات ومؤسسات القطاع الخاص لا تلتزم بتوفير السكن المناسب لموظفيها بل تقوم ببعض الإجراءات التي وللأسف الشديد تزج المجتمع في متاهات أمنية هو في غنى عنها.
فبدل من أن يكون القطاع الخاص مكملاً للدولة في تحقيق الأمن والاستقرار نجده يقوم بدور معاكس وللأسف الشديد من خلال إزكائه لحالة عدم الاستقرار نتيجة عدم التزامه بأبسط المسؤوليات الملقاة على عاتقه تجاه مجتمعه ألا وهي مسؤولية توفير السكن المناسب لعماله.
الكثير من شركات ومؤسسات القطاع الخاص تقوم وللأسف باستئجار فلل في أحياء سكنية وتقوم بإسكان عمالها فيها ضاربة بعرض الحائط لدرجة الخطورة التي يمكن أن يُشكلها وجود مثل هؤلاء الأشخاص في مثل تلك الأحياء السكنية لأفراد العائلات في تلك المناطق.
حتى أصبحت بعض الأحياء بمثابة سجن لبعض العائلات لاسيما المواطنة منها بحيث لا تستطيع أفراد تلك العائلة العيش في جو من الأمان؛ والقصص كثيرة حيث يذكر أحدهم بأنه أضطر إلى بناء جدارين يحيطان ببيته ليحمياه من خطر جيرانه الوافدين.
وأصبح الآخر يضطر إلى الخروج بنفسه لرمي أكياس النفايات بدلاً من العاملة المنزلية لديه، وذاك الآخر الذي يقسم بأنه لم يعرف أبناؤه في حارتهم منذ نشأتهم سوى ساحة البيت المحيط بها جدران المنزل.
فما ذنب مثل هؤلاء الأشخاص الذين صرفوا عرق جبينهم في بناء مسكن يأويهم ويكون لهم ولأبنائهم مأمن ! بالطبع لا ذنب لهم فهم الذين صرفت لهم حكومتهم أراضي للبناء في مثل تلك الأحياء باعتبارها أحياء تصرف للمواطنين لبناء بيوت سكنية وليس لأي شي آخر.
ولكنهم تفاجأوا بأن الجار الذي من المفترض أن يكون مواطناً أو صاحب عائلة ليس إلا مجموعة من العزاب الآسيويين تفوق أعدادهم القدرة الاستيعابية للسكن المستأجر. فيا لها من خطورة تلك التي يمكن أن تكون في مثل هذه الأوضاع.
إنه الإحساس بالمسؤولية التي يجب أن تحملها مثل تلك الشركات والمؤسسات تجاه المجتمع بحيث يكونون طرفاً في تحقيق الأمن والاستقرار وليس طرفاً في الإخلال به.
والكثير من الشركات أو جهات الاستثمار الأخرى في القطاع الخاص تقوم أيضاً باتباع معادلة منح بدل سكن نقدي للموظف كجزء من راتبه، مما يجعل مسؤولية البحث عن السكن تقع على عاتق العامل وليس على عاتق الشركة.
وهنا يلجأ العامل إلى أرخص الطرق وأقربها إلى عمله وإن كان ذلك من خلال استئجار سرير لمدة زمنية معينة في بيت أو شقة معينة من دون أن يلم بالخطر الذي يمكن أن يسببه من جراء تكدس العمال في بيت معين أو شقة معينة.
وعادة ما نجد مثل هذا الأمر يحدث في بعض الأماكن السكنية في الأحياء الشعبية والتي نجد أن أحدهم يستأجر البيت الشعبي ويقوم بتأجيره لعدد كبير من العمال، فتصبح تلك المناطق الشعبية مناطق خطرة وغير أمنة.
إنها مسؤولية الشركات والمؤسسات وجميع المستثمرين في القطاع الخاص على توفير السكن المناسب لعمالها بحيث يكون بعيداً عن الأحياء السكنية ويساهمون مع الدولة في خدمة المجتمع، فالمسؤولية لا تقع فقط على كاهل الدولة بل إن القطاع الخاص يجب أن يتحمل مسؤوليته.
ولكن على الجهات الرسمية أن تضع التشريعات الضابطة لمثل هذا العمل - وهي تقوم مشكورة بذلك - ولكن استفحال المشكلة بشكل كبير يجعل دور الدولة حساسا للغاية.
التشريعات ضرورية لضبط الموضوع كأن يمنع تأجير الفلل والمنازل السكنية في الأحياء السكنية لغير العائلات، ويشترط على الشركات المستثمرة ضرورة عدم منح عمالها بدل السكن نقداً وإنما العمل على توفير المسكن المناسب لهم في الأماكن المخصصة لذلك، وأن يعاقب جميع المخالفين على ذلك.
ففي النهاية هي مسألة أمن دولة واستقرار مجتمع، ولا يمكن أن يُسمح لمثل هذا الأمر أن يحدث لما له من عواقب وخيمة على المجتمع. فالقطاع الخاص يجب أن يكون حاضراً ليس فقط في تحقيق المردود المادي وإنما حاضر أيضاً في تحقيق الأمن والاستقرار لمجتمع الإمارات، فالكل يجب أن يكون شريكاً في حب الوطن.
جامعة الإمارات
binhuwaidin@hotmail.com