أربعة مشاهد مثيرة استوقفت الرأي العام العربي والعالمي على مدى الأسبوع الماضي وأثارت الكثير من الشئون والشجون، والتساؤلات والمساءلات.

المشهد الأول في جنوب أفريقيا التي تتركز عليها عيون كل العالم لاستضافتها منافسات كأس العالم، وبينما كانت جل العيون تتابع حركة الكرة بين الأقدام ولقطات تسجيل الأهداف بعد معارك الهجوم والدفاع، كانت بعض العيون اللاقطة تعيد قراءة المشهد في دلالاته الأكبر، فلولا مقاومة شعب جنوب أفريقيا ودفاعه المستميت عن حقوقه الإنسانية ضد الاستعمار الاستيطاني العنصري لما نجح في تحقيق أهدافه الوطنية بهزيمة العنصرية.

ولولا دعم كل العالم لنضال هذا الشعب من أجل الحرية والمساواة والعدالة الإنسانية لما تحقق لجنوب أفريقيا ذلك الاستقلال وتلك الحرية التي أهلتها للتقدم ودفعتها للصدارة والفوز بتنظيم ذلك الحدث الرياضي العالمي الكبير.

والنتيجة هي تبدل المشاهد الدموية العنصرية اللا إنسانية بالجدران العازلة أو بالمجازر الدموية التي جرت في الماضي على يد المستوطنين والمستعمرين البيض ضد المواطنين السود الأصليين سواء بالحصار في «سويتو» أو بالمجازر في «جوهانسبرج » أو بالطرد في « كيب تاون».

حيث تجري المباريات الآن في الحاضر، تحولها إلى تلك المشاهد الإنسانية والرياضية الرائعة بعد انتصار الحرية على الاستعمار، والإنسانية على العنصرية، والعدالة على الظلم، وتحقيق الدولة الديمقراطية الجديدة، دولة الحق والمساواة تحت مظلة القانون، ليصبح كل الوطن لكل المواطنين بلا تمييز، وحيث الكل في واحد.

والمشهد الثاني في فلسطين الواقعة تحت النوع ذاته من الاستعمار حيث الاحتلال الصهيوني الاستيطاني العنصري منذ أكثر من ستين عاما، بينما المواطنون الفلسطينيون، مازالوا يدافعون عن أرضهم وحقهم في الحياة بإصرار ضد كل الهجمات العدوانية الصهيونية بدعم أشقائهم العرب وكل أنصار الحرية في العالم، ومازالوا يقاومون لتحقيق نفس الأهداف الوطنية وصولا إلى الحرية والمساواة والعدالة الإنسانية مثلهم مثل شعب جنوب أفريقيا ومثل كل شعوب العالم..

لقد جاء المشهد الثاني كواحد من تداعيات المشهد الأول، خصوصا بعد الاعتداء الإسرائيلي اللا إنساني الدموي على أنصار الحرية والحقوق الإنسانية في « قافلة الحرية « التي بدأت سيرها ولن تتوقف إلا بعد كسر الحصار عن الشعب الفلسطيني في غزة، ومواصلة السير باتجاه المقاومة الشعبية العالمية لإنهاء الاحتلال وانتصار الحرية.

والمشهد الثالث، هو حالة الارتباك والتخبط الإسرائيلي التي تثير سخرية العالم نتيجة المحاولات المسرحية الخائبة لنتنياهو بتشكيل لجنة تحقيق إسرائيلية بغطاء أميركي مهلهل، وهي المحاولة الفاشلة لاحتواء تداعيات عملية القرصنة الإرهابية الفاشلة ضد نشطاء الحقوق الإنسانية في أسطول الحرية، واغتيال الحرية في مجزرة دموية اهتز لها العالم كله في فورة غضب لن تهدأ إلا بتحقيق الأهداف الوطنية والإنسانية المشروعة لكل الشعب الفلسطيني..

تلك الجريمة اللا إنسانية التي وقعت في المياه الدولية في عرض البحر المتوسط التي ضبطت فيها إسرائيل في حالة تلبس على مرأى ومسمع العالم بأسره، هي جريمة قرصنة دولية بكل المعايير القانونية الدولية، وهي نتيجة لاستمرار جريمة الحصار اللا إنساني ضد الشعب الفلسطيني في غزة التي هي نتيجة لاستمرار جريمة الاحتلال الصهيوني غير الشرعي في القدس والضفة الغربية.

وإذا كنا بصدد جريمة دولية فلابد أن تتولى التحقيق فيها لجنة تحقيق دولية وليست إسرائيلية خالية من الأهلية والمصداقية بتبريرات أميركية فارغة في استخفاف سخيف بالرأي العام العربي والعالمي.

ومن المثير للسخرية أن يوافق أحد في العالم العربي أو الغربي الشعبي أو الرسمي على أن يتولى القاتل مقعد قاضي التحقيق في سابقة لم تحدث في العالم كله من قبل، ولابد للعالم العربي من التكاتف مع الموقف التركي المشرف والموقف الأممي الواضح، والموقف العالمي المحدد بالإصرار على تشكيل لجنة تحقيق دولية محايدة وذات مصداقية.

والمشهد الرابع هو ذلك الاختراق العربي « السياسي» الإيجابي للحصار الصهيوني بالزيارة الرمزية المثيرة للأمين العام للجامعة العربية لقطاع غزة معلنا من قلب الحصار باسم النظام العربي الرسمي « أن هذا الحصار يجب أن يكسر»، وأن الوحدة الوطنية الفلسطينية يجب أن تستعاد، وأن الاحتلال يجب أن ينتهي، إن قيمة هذه الخطوة العربية الرمزية الشجاعة التي جاءت بعد الخطوة المصرية الجزئية الشجاعة بفتح معبر رفح، تنبع من أن الذي قام بها باسم كل العرب هو رجل عربي شجاع يحترمه جل العرب ومهما قيل في شأن تلك الزيارة فإن من المفيد مراكمة الإيجابيات التي تتحقق مهما صغرت ومهما جاءت متأخرة، فأن تأتي متأخرة خير من ألا تأتي أبدا.

كاتب مصري

doh77t@hotmail.com