لا أبدأ صباحي إلا بقهوة تُعتبر أمرا أساسيا لبدء يومي الصحافي، وربما لتعديل المزاج.. ولا تكتمل حلاوة رشفتها إلا بجولة سريعة على الفضائيات الإخبارية، لمعرفة آخر أخبار وطننا العربي، فلربما استمعت لخبر يعطيني جرعات تفاؤل وسعادة ويشحذني لرسم خارطة يوم مليء بالإنجازات، أو أسعد ويزيدني أملا لسماع مذيعة تبتسم قائلة: «وطننا العربي.. وطن واحد وجسد واحد ولا يقبل أي هيمنة أجنبية، أميركية كانت أو غيرها».
نعم.. إنها كثيرة هي الأحداث التي مرت ولا تزال على عالمنا العربي بعضها جلي وأغلبها ملتو وخفي، وهي تحتاج إلى وقفة الراصد والمحلل المتبصر والمفكر المتعمق.. وأذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر حدثا تنافست الأقلام العربية للكتابة عنه وهو الهجوم الإسرائيلي على «أسطول الحرية» التضامني الذي كان يحمل نشطاء ومساعدات إلى قطاع غزة..
وتابعتُ تغطيات كثيرة على فضائيات متعددة لهذه المجزرة التي ارتكبتها إسرائيل التي تتصرف كدولة فوق القانون، مُرتكبة جريمة بحق رعايا أكثر من أربعين دولة ضاربة عرض الحائط بكل القوانين والأعراف الدولية..
الذي شدني على قناة «العربية» هو تقرير ظهرت فيه مُخرجة الأفلام الوثائقية «لارا لي» الأميركية في مؤتمر تحدثت فيه عن تجربتها في «أسطول الحرية» حيث كانت ضمن النشطاء على ظهر السفينة «مرمرة»، واستطاعت تصوير لقطات فيديو للحدث. وعلى الرغم من مصادرة إسرائيل جميع الأفلام التي صورت، بما فيها اللقطات التي اختطفها البعض على الهواتف المحمولة، والتي تظهر هجوم الكوماندوز الإسرائيلي على نشطاء غزة إلا أن «لارا» تمكنت من تهريب ما يقرب من ساعة كاملة من التصوير حتى خروجها من البلاد.
وتظهر 15 دقيقة من هذه اللقطات تم وضعها على الإنترنت اللحظات التي سبقت الهجوم ومشاهد من الهجوم ذاته على السفينة من قبل أفراد الجيش الإسرائيلي الذي طَوق السفينة من كل الجهات جواً وبحراً، من ثم يأتي سماع صوت إطلاق رصاص من جهة أخرى من السفينة، وتظهر لقطات الجرحى والمصابين الذين يجري نقلهم إلى القسم السفلي من السفينة لتقديم الإسعافات الأولية لهم.
وفى إحدى لقطات الشريط يظهر قائد السفينة وهو يخاطب الجميع «لا تظهروا مقاومة.. إنهم يستخدمون الذخيرة الحية.. كونوا هادئين جداً»، وفي نفس الوقت يتم سماع طلقات نارية.
وتُؤكد «لارا» أن الإسرائيليين أتوا بنية القتل، كما أشارت إلى أن ركاب السفينة قاموا بإنقاذ جريح من الجنود الإسرائيليين ومعالجته من إصابته من جراء الجريمة التي ارتكبتها البحرية الإسرائيلية المعززة بالطيران الحربي بحق المتضامنين العزل في عرض البحر، هذه المجزرة الوحشية التي تضيف جريمة أخرى للحصار الإسرائيلي على قطاع غزة، والتي تكشف وجه إسرائيل القبيح الذي يحاول ضرب ومنع كل من يحاول التضامن مع الشعب الفلسطيني.
لقد اجتمع العالم بأسره على موقف واحد واتفق على كلمة واحدة تستنكر الجريمة الإسرائيلية الجديدة، وغير الأخيرة طبعا، بحق المتضامنين مع أهلنا المحاصرين بقطاع غزة، إلا أن الحقيقة تُوضح من جانب آخر أن الهجوم الإسرائيلي على أسطول المساعدات الإنسانية لكسر حصار غزة عرَّى الموقف العربي الذي يتحدث عن أمل السلام والمفاوضات.
آخر الهمس: أُصفق بحرارة لشجاعة المخرجة الأميركية وقدرتها على تهريب شريط يوضح جانبا كبيرا من همجية إسرائيل، وأرى أنه يتحتم على الموقف العربي ضرورة اتخاذ قرار فعلي لردع الكيان الصهيوني، وكما أوضح الكاتب الكبير فهمي هويدي:
«إن وقت الكلام وأحاديث الشجب والإدانة والاستنكار للممارسات إسرائيل قد فات»، ونرفض ما تقوله الكثير من الدوائر الرسمية والدبلوماسية في أغلب دول العالم من أن السلام الدائم والأمن في المنطقة يمكن تحقيقهما عبر الحوار السلمي، ونقول انه لا أمن ولا سلام إلا باتخاذ موقف عربي قوي وحازم يوقف هذه العربدة الصهيونية.
