ما قام به الكيان الصهيوني المتغطرس من اغتيال الحرية في المياه الإقليمية الدولية، عندما تصدى بالقوة العسكرية لقافلة الحرية المتوجهة إلى غزة بالأدوية والأغذية ومستلزمات وضروريات الحياة، وما يمارس ضد الشعب الفلسطيني وضد الدين الإسلامي وضد العرب والمسلمين جميعا، يتنافى مع كل القوانين والأعراف الدولية، ويضرب عرض الحائط بأبجدية وأدبيات ومبادئ الحوار والتواصل من أجل السلام والأمن الدوليين.

وفي كل ما تقدم نلاحظ أن الإعلام في غالبيته وفي معظم الأوقات، يلعب دورا هداما وسلبيا في التآلف والتقارب بين الشعوب والحضارات. فوسائل الإعلام تكون مقيّدة بآليات وميكانيزما تبعدها عن الموضوعية والالتزام والنزاهة، واستقصاء الحقيقة وتقديم الواقع كما هو، وليس كما تريده الأوساط المتنفذة سياسيا أو اقتصاديا لخدمة مصالحها الخاصة.

فالحركة الصهيونية، على سبيل المثال، وعبر تنظيماتها المختلفة في الولايات المتحدة وأوروبا، تسيطر على الصناعات الثقافية ووسائل الإعلام ودور النشر، وتتحكم بذلك في محتواها وتحدده وفق ما يخدم مصالحها وأيديولوجيتها وأهدافها.

ما حدث قبل أسبوعين للصحفية الأميركية المخضرمة من أصل لبناني «هيلين توماس»، يؤكد الإرهاب الفكري الذي تمارسه الآلة الإعلامية الأميركية والأوساط الفكرية والثقافية المتطرفة، ضد كل ما من شأنه أن يقدم الحقيقة للرأي العام، ويكشف الأساطير والأكاذيب والدعاية والتضليل والتشويه.

والأخطر من هذا أن رؤوس الأموال الصهيونية توّظف، في المقام الأول، في وسائل الإعلام والصناعات الثقافية، وفي الوسائط التي تؤثر في الرأي العام وفي تفكير وإدراك الأفراد.

فالنفوذ الصهيوني في وسائل الإعلام الغربية وُظف بطريقة منظمة ومنهجية، من أجل تقديم صور ذهنية ونمطية عن الإسلام والعرب، بما يخدم المصالح الصهيونية في الدرجة الأولى.

وبطبيعة الحال، ما يخدم المصلحة الصهيونية هو تشويه سمعة العرب، وتقديم صور نمطية تجعل الرأي العام يتخذ موقفا معاديا وسلبيا ضد كل ما هو عربي وإسلامي، وهذا الرأي العام يسّهل مهمة المشرع وصاحب القرار في اتخاذ إجراءات وقرارات تضر العرب والمسلمين ومصالحهم، وتساند وتساعد الكيان الصهيوني دون نقاش ولا مساءلة.

والكلام عن مخرجات المؤسسات الإعلامية، يقودنا للنظر في الضغوط التنظيمية والقوانين والأعراف والأحكام والقيم التي تدير العمل الصحافي. فالمؤسسة الإعلامية هي مؤسسة تجارية بالدرجة الأولى، لكنها تصنع الفكر والخيال الاجتماعي والذاكرة الجماعية، وتحدد للمجتمع كيف ينظر للعالم وكيف يقّيم الأحداث ومجريات الأمور من حوله.

وسائل الإعلام تمثل وتعبر عن البنية الفوقية، التي هي عبارة عن جملة المعتقدات والقيم والعادات والتقاليد والأعراف ونمط الحياة والخيال الاجتماعي والموروث الثقافي... الخ، وهي في ذات الوقت تعمل للمحافظة عليها ونشرها وترسيخها في المجتمع. والصحافي ما هو إلا نتاج المجتمع ونتاج هذه القيم والتقاليد.

وبذلك فإننا نجده من خلال الميكانيزما التي تربطه بالمؤسسة الإعلامية، يعمل على تثبيت وترسيخ شرعية النظام والقيم التي تحكم هذا النظام، وإذا خرج عن هذا المنطق فإنه يُهمش ويُستبعد ويوصف بالخائن والمتمرد.. وقد يكون بعض هذه القيم أو المبادئ غير سليم أو يتناقض مع القيم الانسانية والأخلاقية.

وحسب بعض المختصين والباحثين، فإن التشويه والتضليل والانحياز في تغطية الإسلام من قبل وسائل الإعلام الغربية، يعود بالدرجة الأولى إلى الصراع الحضاري والثقافي بين الغرب والإسلام. وقد ظهر هذا الصراع جليا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وانهيار القطبية الثنائية، حيث ظهر النظام الدولي الذي عمل على تكريس أحادية الثقافة والفكر على الصعيد الدولي.

وجاء مصطلح «الإسلاموفوبيا» للتعبير عن الهستيريا التي أصيب بها الغرب ضد الإسلام بعد انهيار الشيوعية، حيث أصبح الدين الحنيف يتصدر قائمة أعداء أوروبا وأميركا.

وأكدت الكثير من دراسات تحليل المضمون، أن كتب التاريخ المدرسية وكتب الاجتماعيات في المدارس الابتدائية في بعض الدول الغربية وأميركا، أسهمت بدورها في إيجاد فكر باطني معادٍ لكل ما هو إسلامي أو عربي، وكانت النتيجة أن الأميركي يتعرض منذ نعومة أظفاره إلى جملة من الصور النمطية والأفكار المضللة والمزيفة، ضد كل ما هو عربي أو إسلامي. وهكذا أصبح الإسلام في نظرهم، مرادفا للتخلف والإرهاب والجهل والأنانية، ولإلغاء الآخر وعدم احترامه... الخ.

في ظل هذا التزييف والتشويه والتغطية السلبية للإسلام من قبل الإعلام الغربي، نلاحظ أزمة في الإعلام العربي ومدى قدرته على تسويق صورة إيجابية تصّحح هذا الخلل. فالإعلام العربي لم يحدد استراتيجية يستطيع من خلالها تقويم هذا الخطأ وتقديم البديل أو البدائل للرأي العام الغربي والدولي.

حيث ما زالت الصناعات الثقافية العربية ضعيفة جدا، لم ترق إلى الكونية ولم تعرف كيف توّظف اللغات العالمية للوصول إلى الآخرين. والإعلام العربي ما هو إلا انعكاس للأنظمة العربية التي تعاني من مشكلات وتناقضات هيكلية وتنظيمية وإدارية، جعلت المنظومة الإعلامية نفسها تتخبط في دوامة من المشاكل والضغوط وغير مؤهلة للقيام بدور فعّال على الصعيد الدولي.

نخلص إلى القول إن حوار الثقافات مجرد كلام أكثر منه حقيقة، وأن معركة الصورة هي المعركة الحقيقية اليوم على المستوى الدولي، ومن يكسب معركة المعلومات وصناعة المعرفة وصناعة الحقيقة والرأي العام، من خلال الدور الاستراتيجي للإعلام، هو الذي يسيطر ويقود العالم في الاتجاه الذي يريده، حيث إنه يحدد كيف يفكر الناس وبماذا يؤمنون وكيف يرون العالم وينظرون إليه ويفهمونه.

والمؤسف أن محتوى الإعلام العربي والإسلامي اليوم مستورد بنسبة تفوق الثمانين في المائة، وهذا يعني أن الآخرين هم الذين يحددون لنا نمط تفكيرنا وأسلوب حياتنا وغذائنا وملابسنا، بينما نحن لا نقدم شيئا للآخرين ولا نجرؤ حتى على تفنيد أكاذيبهم وأساطيرهم!

عميد كلية الاتصال، جامعة الشارقة

mokirat@sharjah.ac.ae