لا نريد أن نجزئ قضايانا ليكون اهتمامنا بالجزء على حساب الكل، ولكن لا بد من تفكيك هذه القضايا وإعادة بنائها علمياً وموضوعياً. وبما أن الإدارة السياسية هي المقدرة على اتخاذ القرار بعيدا عن الضغط الداخلي والخارجي، في إطار رؤية استراتيجية تأخذ مصالح الشعوب بعين الاعتبار، فإن استعراض تجارب تاريخ العرب المعاصر، يدل على وجود مشكلة في ممارسة الإرادة السياسية العربية تجاه القضايا الأساسية التي تواجهها الأمة عربياً وعالمياً.
لا خلاف على أن مفهوم الإرادة السياسية من مقومات القوة للأنظمة الحاكمة والشعوب، لكن كيف ومتى تكون لدينا إرادة سياسية؟ لقد أضاع العرب فرصاً تاريخية كثيرة كان يجب استثمارها والاستفادة منها، والفرص التاريخية لا تتكرر في أوقات قريبة. والمشكلة هي عندما نعرف أن الإرادة السياسية من مقومات القوة ولا نستخدمها أو لا تكون لدينا القدرة على استخدامها!
وحتى لا نضيع في دنيا الكلمات والمفاهيم العامة، لا بد من التركيز على أبعاد مهمة لتحقيق الإرادة التي نريدها. وقبل كل شيء، حتى تكون لدينا إرادة سياسية على المستوى العربي، لا بد أن تكون لدينا إرادة سياسية على المستوى القُطري المحلي في كل دولة عربية.
وحتى تكون لدينا تلك الإرادة، لا بد من إصلاح سياسي. وحتى يكون لدينا إصلاح سياسي، لا بد من تطبيق حقيقي للنهج الديمقراطي الذي أساسه الحريات العامة.
عندما يتعرض العالم العربي لأزمة ما، وما أكثر أزماته، يخرج الناس في الشارع العربي يريدون فعلاً وموقفاً تجاه الحدث، وقد يصابون بخيبة الأمل إذا لم يتبلور ذلك الموقف الذي يريدونه، أو أن الموقف لم يكن على مستوى الحدث، وأن دولاً أخرى غير عربية كان موقفها أفضل من مواقف الدول العربية التي يعنيها الحدث أكثر من غيرها، مثلما حدث لقافلة سفن الحرية لفك الحصار عن غزه، أو غيرها من الأحداث الهامة.
لقد أصبح بديهياً القول إنه لا بد من وجود إرادة تقوم على مبادئ ورؤية استراتيجية، وليس تكتيكا سياسيا مؤقتا، وأن تصاحب ذلك إدارة حقيقية، لأن الاثنين مرتبطان ببعضهما عضوياً إذا أردنا نهضة حقيقية لهذه الأمة.
وحتى لا تكون الصورة قاتمة وسلبية، فإن تاريخنا يشهد على إرادة ومواقف، لكنها محدودة وتأتي مصادفة في الغالب، بسبب ظروف موضوعية، أو لا ترقى إلى مستوى الأحداث وتدور في إطار الحد الأدنى أو ما دون ذلك.
وعندما نريد أن نحدد طبيعة تلك المواقف المبنية على إرادة سياسة واضحة وقوية في تاريخنا المعاصر، مقارنة بالأحداث الخطيرة التي مرت وتمر بالوطن العربي، نجد أن هذه الأمة بحاجة إلى تغيير واقعها وفكرها وثقافتها السائدة لتبدأ من جديد، وأن يفهم المثقفون والسياسيون ماهية الإرادة السياسية وكيفية بنائها. مرة أخرى، لقد أثبتت التجارب أن لدينا قصوراً في فهم وبناء هذه القضية الأساسية والمحورية.
هل نحتاج هنا إلى أن نذكر وقائع بعينها لكيفية استخدام الإرادة السياسية فيها، أو تلك التي ضاعت علينا لعدم وجود تلك الإرادة، أو كيف نبني الإرادة السياسية؟ إن مجرد البحث في أسباب تخلفنا وعجزنا وضعفنا وضياع الفرص علينا وتململ شعوبنا ومعرفة تلك الأسباب، يضعنا على بداية الطريق لبناء الإرادة السياسية.
أن تكون لدينا إرادة سياسية نستخدمها في الوقت المناسب بالمستوى المناسب، فتلك خطوة متقدمة على طريق التقدم والنهضة. وهذا لا يعني أن نتخذ موقفاً سياسياً وبعد انتهائه تعود حليمة لعادتها القديمة، فالنظرة يجب أن تكون شاملة، والإرادة السياسية لا تعني موقفاً سياسياً، بل هي نتيجة إصلاح سياسي يتوقف عليه الإصلاح في كل المجالات.
إن المحزن في أوضاعنا، هو أن لدى دولنا وشعوبنا إمكانيات هائلة، مادية وبشرية وثقافية وعلمية وحضارية وتاريخية، ولا نستطيع مواجهة مشكلاتنا الأساسية على مستوى البلد الواحد وعلى مستوى الأمة! نعرف العلة ونعرف الأسباب، لكن تنقصنا الإرادة السياسية لمواجهة التحدي بهدف الخروج من حالة التردي وبناء أمة قوية بمقوماتها، لا أن تكون ضعيفة ومستهدفه وعاجزة عن أن تلعب دوراً نهضوياً محلياً وعربياً وعالمياً.
ومن الطبيعي أن يبادر المتهمون بذلك العجز وبضعف الإرادة، إلى تبرير أفعالهم. ولكن، نقول ونؤكد أن الإرادة السياسية أساسية لبناء مقومات القوة، والتي تكون نتيجة إصلاح سياسي يقوم على رؤية استراتيجية تلعب الشعوب دوراً أساسياً في وضعها.
كاتب كويتي