من مخاطر المشروعات التنموية، تركيزها على الجانب الاقتصادي، دون الاهتمام بالجانب الاجتماعي؛ فالمخطط يهتم بلغة الأرقام الاقتصادية، خصوصا إذا ما جاءت تحمل زيادة في نسب النمو وصافي الدخل القومي وارتفاع حجم الاستثمارات الخارجية. وتُسعد هذه الأرقام أي صانع للقرار، فما يريده في النهاية هو حزمة من البيانات المصاغة بعناية، والمنظمة إحصائياً، يمكن من خلالها التباهي محلياً وإقليمياً ودولياً.
لا يرتبط هذا التوجه فقط بالدول النامية حديثة العهد بالتنمية، بل يرتبط أيضاً بالدول المتقدمة صاحبة الإنجازات العريقة في خطط التنمية والجوانب المختلفة المرتبطة بها. فكل الدول تتباهى بالأرقام التي لن يجدي عنها أي بديل آخر، للدلالة على نجاح خطط التنمية وتطور الأمم والشعوب.
لكن مؤشرات التنمية لا يجب أن تقف فقط عند الجانب الاقتصادي، وإلا فإنها سوف تستحيل عمليةً ربحيةً بإطلاق، مثلها مثل أي صفقة تجارية يتم حسابها بمنطق الربح والخسارة.
فالتنمية عملية شاملة تتجاوز الاقتصار على جانب واحد دون غيره، وبقدر ما تضع التنمية كافة الجوانب المجتمعية الأخرى نصب أعينها، بقدر ما تستطيع أن تحقق حزمة أهداف تشمل كافة الشرائح الاجتماعية، بغض النظر عن موقعها الطبقي المتعارف عليه.
هناك مؤشرات أخرى يجب أن يضعها صانع القرار في الحسبان، ربما تفوق في أهميتها حسابات المكسب والخسارة، وهي تتعلق في أغلبها بالجوانب الاجتماعية والتأثيرات المرتبطة بها في قطاع واسع من السكان، وليس في شرائح محدودة قد تستفيد مؤقتا من لغة الأرقام.
وتبرز الجوانب الاجتماعية من حيث إنها تؤثر في العدد الأكبر من السكان، كما أنها تتعلق بنوعية الخدمات المقدمة من مسكن وصحة وتعليم، إضافة إلى ما يتعلق بتطوير رأس المال البشري بما يجعله يتوافق مع المعايير الكونية.
أول هذه المؤشرات يتعلق بالاستفادة المباشرة التي ترتبط بالمواطن العادي، من عمليات التنمية والمخرجات المختلفة الخاصة بها. فإذا كانت هذه المخرجات لا تصب، وبشكل مباشر، في مسارات حياته المختلفة، فإنها تكون في هذه الحالة تنمية دعائية وقتية، أكثر منها تنمية حقيقية متجذرة في أرض الواقع، وضامنة حيزا لا يمكن التشكيك فيه، في المستقبل القريب أو البعيد على السواء.
فمخرجات التنمية لا يجب أن تتعلق بالحاضر فقط، بل يجب أن تنسحب أيضاً على المستقبل، ومن هنا فإنها إذا لم تلائم الأجيال الحالية، فهي بمعنى من المعاني لن تتوافق مع الأجيال المقبلة، رغم حجم الدعاية الآنية المرتبطة بها.
وثاني هذه المؤشرات المرتبطة بالتنمية، يتعلق بقدرتها على التطوير الفعلي لرأس المال البشري، فإذا لم تستطع خطط التنمية أن تحقق ذلك، واكتفت بتنمية «تسليم المفتاح» التي يعيش فيها الأفراد عالة على الآخرين، دون أن يمتلكوا القدرة على هجر ذلك المفتاح والتحول إلى بنية المعرفة والممارسة الحقيقيين اللذين يكفلان القدرة على البناء والتطور، فإن هذه التنمية لن تفيدهم بقدر ما تضرهم.
فالملاحظ أن هذا النوع من التنمية الذي يقع عالة على كتف الآخرين، يغذي النزعات الاستهلاكية ويخلق أفراداً ضعافاً في المنتج المعرفي والحياتي، بل ضعاف أيضاً على المستوى القيمي والأخلاقي. فالتنمية التي لا ترتبط بقيم وعادات المجتمع، ولا تضع أطر الماضي في الاعتبار، هي تنمية متعالية على الواقع، فجة ومدعية.
ويرتبط بما سبق، ثالث هذه المؤشرات الذي يتعلق بخلق الحافز لدى الأفراد ودفعهم للعمل والمواظبة عليه. فالتنمية التي لا تخلق حافزاً لدى الأفراد من أجل العمل، وتخلق فيهم آفة التراخي والكسل وعدم العمل، هي تنمية لا تحقق شيئا بقدر ما تخلق قيماً تحول الأفراد إلى الدعة والكسل والسكون. وما لم يشعر الأفراد بأهمية العمل وقيمته، فلن تنجح أي خطط تنموية، مهما ارتبطت بالأشكال الدعائية والمظهرية الشكلية.
وأخيرا، لا يمكن تحقيق التنمية في جوانبها الاجتماعية، دون تحقيق مشاركة حقيقية وفعلية تتم دون خوف من الخطأ، وفي سياق من المغامرة والشجاعة والإقدام. فالتنمية التي يتحول فيها الأفراد إلى مجرد مستقبلين ضعاف خائفين لا يسهمون بشيء، في سياق إطار من البني الفوقية المتعالية عليهم، لا تفيد الأفراد بقدر ما تعودهم على التراجع وعدم القدرة على اتخاذ القرار وتحمل المسؤوليات المرتبطة به.
من المؤسف أن الكثير من تجارب التنمية في عالمنا العربي لم تراع تلك الجوانب، رغم تشدقها بذلك، ورغم محاولاتها المستمرة من أجل إقناعنا بما حققته من جوانب مظهرية وشكلية ودعائية. فهي تجارب تضر أكثر مما تفيد، وبشكل خاص حاضر الأفراد، ناهيك عن مستقبل الأجيال المقبلة.
كاتب مصري
salehabdelazim@hotmail.com