ما إن بدأ العد التنازلي للنظام العالمي الجديد وقد توارت شمسه، حتى أشرقت بوادر الألفية مصحوبة بتيار العولمة، وزخم عهد المعلوماتية والفضاء المفتوح.. إلا أن الألفية حملت معها تبعات أربعة مؤتمرات عالمية، ما زالت البشرية مطالبة بمتابعة مقرراتها..

لعل من أهمها مؤتمر الأمم المتحدة حول البيئة والتنمية، الذي استضافته ريو دي جانيرو عام 1992، ومؤتمر المرأة العالمي الذي عقد في العاصمة الصينية بكين عام 1994، أما أكثرها أهمية فكان انعقاد قمة التنمية الاجتماعية التي دارت جلساتها في العاصمة الدانماركية كوبنهاغن في ذات الصيف.

والقارئ الجيد لمقررات هذه المؤتمرات التي انتهت بمؤتمر التنمية والسكان (القاهرة)، يلاحظ أنها رسمت خارطة طريق للألفية، كما مهدت السبيل لإقرار المجتمع الدولي للأهداف الإنمائية للألفية MGD s، التي اعتمدتها 190 دولة في عشر مناطق مختلفة، والتي تحمل ثمانية أهداف تتضمن نحو 20 غاية وأكثر من 60 مؤشراً.

ما تهمنا الإشارة إليه، هو أن ثمة مطالبات لدول المنطقة للسير في طريق التنمية المستدامة Sustainable Development كمفهوم تجاوز المنظور التقليدي للتنمية، الذي تتابع مع حقبة الثمانينيات، ولعل من أهم استحقاقات التنمية البشرية المستدامة الاهتمام بالآتي:

ـ قضايا التنمية الاجتماعية والاقتصادية

ـ تمكين المرأة

ـ البيئة

ـ الطاقة.

يدرك القارئ المهتم أن ثمة قضايا فرعية وردت على نحو تفصيلي في الأهداف الإنمائية للألفية، لا يتسع لها حيز المقال، كما أن هناك تقارير التنمية البشرية التي يتم فيها تصنيف دول منظمة «الاسكوا»، لتحديد موقع أفضل الدول في الإيفاء بمتطلبات التنمية المستدامة، خصوصاً في مجالات التعليم والصحة والبيئة والسكان...

أعود للقول إن قراءة مقررات المؤتمرات الإقليمية والدولية، لها أهمية خاصة لكل من تعنيه متابعة الحراك الاجتماعي والاقتصادي والبيئي والسياسي في مجتمعات المنطقة (منطقة الاسكوا) Ascowa Region والتي تدخل ضمنها دول الخليج العربي، ومن هنا لنا وقفة مع النتائج التحليلية لتقرير «ميرسر» الذي غطى نحو 420 مدينة، جرى تحليل جودة الحياة فيها Quality of Life، ويطلق عليها أحياناً نوعية الحياة Style of Life.

ويرتكز التقرير على مؤشرات تدخل في صميم أدوات قياس أبعاد ظاهرة النمو الحضري Urban Growth، وفقاً لتصنيف 39 عاملا تندرج ضمن 15 فئة رئيسية، من أهمها تحديد مقياس التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وخدمات الصحة والتعليم والخدمات المساندة، توفر النقل والكهرباء والماء النظيف، وتوفر أماكن الترفيه والمسارح ودور السينما، وجودة المناخ وإصحاح البيئة، وتوفر الحريات الشخصية والمدارس الأجنبية..

وقد تضاف إليها جماليات المدينة ومعدل الضوضاء، كما يهتم تقرير «ميرسر» بتحديد أفضل المدن من حيث توفر الخدمات الضرورية السالف ذكرها. وقد شمل التحليل النهائي أوضاع أفضل المدن في الشرق الأوسط وإفريقيا وآسيا الوسطى وأميركا.

بالنسبة لنا في مجتمع الإمارات، لم يكن مستغرباً أن تحتل أبوظبي ودبي أعلى المراتب من بين دول مجلس التعاون الخليجي، بسبب تقدمهما في الحصول على أعلى مستوى في جودة الحياة المعيشية.. مع أن دبي حصلت على المرتبة 75 وأبوظبي 83 ضمن الترتيب الدولي، علماً بأن العاصمة العمانية مسقط قد احتلت المرتبة 48، تليها دبي وأبوظبي ثم المنامة والدوحة تباعاً.

يحق لكل مواطن ومقيم على هذه الأرض الطيبة، أن يفخر ويفاخر بالمستوى المرموق الذي وصلت إليه بلادنا، مما يؤكد أن القيادة الرشيدة ظلت عبر أربعة عقود متواصلة، تعمل لتحسين مستوى المواطن وتوفير كافة الظروف التي تضمن له الحياة والاستقرار.. ومع أن منظمة المدن العربية والمعهد العربي لإنماء المدن، كانت لهما محاولات مماثلة، إلا أن تقرير «ميرسر» تجاوز المحلية لقياس المؤشرات الدولية لنوعية المستوى المعيشي.

يحق لنا أن نحتفي بهذه النجاحات التي تحققت في حقبة زمنية لا تزيد على أربعة عقود، مقارنة بمدن عريقة مثل «فيينا» التي احتلت مركز الصدارة كأفضل مدينة في العالم من حيث مستوى المعيشة ونوعيتها، وتلتها «زيورخ» و«جنيف» على التوالي، ثم مدينتا «فانكوفر» و«أوكلاند».

ويشير التقرير إلى أن المدن الكندية «فانكوفر وأوتاوا وتورنتو» جاءت في المواقع العشرة الأولى عالميا.. كما يلاحظ أن تقرير عام 2010 اشتمل على 420 مدينة عالمية، إلا أن التصنيف غطى فقط 221 مدينة.

وفي تقديري أن إنشاء مراكز للتنمية الحضرية في سياق الرؤية الاستراتيجية للدولة، الداعية إلى دخول حلبة التنافسية، سيدعم مبادرات القيادة الرشيدة حتى تصبح دولة الإمارات في موقع الصدارة بالنسبة لدول العالم، وليس لدول المنطقة.. ومن سار على الدرب وصل إلى الأفضل عالميا، ولكن بمضاعفة الجهود وتجويد الخدمات الضرورية ذات العلاقة بمتطلبات الإنسان..

نحن مطالبون بالارتقاء إلى مواقع متقدمة بين المدن الأخرى التي سبقتنا في هذا المضمار، لأن حلبة الصراع محتدمة في سباق التنافسية، وإذا لم تبذل كافة الجهات المعنية جهوداً مضاعفة فقد نتراجع حتى عن الموقع (83/75) الذي حصلنا عليه هذا العام، وهو ترتيب متواضع وإن بدا متقدماً، ذلك أن مدنا أخرى ما زالت متقدمة على مدننا، سواء في مدن الشرق الأوسط أو إفريقيا أو آسيا الوسطى..

مع أن بعضها يعاني من عدم الاستقرار السياسي، فضلاً عن تفشي الأمراض الاجتماعية، والنقص الحاد في إمدادات المياه والكهرباء، مع حالات انفلات أمني وتلوث بيئي.. وهي مشكلات تجاوزها مجتمعنا منذ عقود.

وقد يكون مفيداً أن يتم تشكيل لجنة متخصصة لدراسة تقرير «ميرسر» لهذا العام، وقراءته قراءة تحليلية لاتخاذ التدابير التي يمكن أن تساعدنا على تحسين أوضاعنا المعيشية، والارتقاء بها إلى مصاف المدن التي سجلت حضوراً مميزاً وسبقتنا في الترتيب، سواء على المستوى الاقليمي أو الدولي.

وفي تقديري أن تطبيق سياسات إعادة الهيكلة وخصخصة الخدمات، هما من أهم العوامل التي أدت إلى تراجع الخدمات المجتمعية في مدننا الكبرى، مما انعكس سلباً على الأوضاع المعيشية نحو ما ورد في التقرير.

كاتبة إماراتية

moza@bmig.ae