أثبت الهجوم الإسرائيلي على سفينة «مرمرة» التركية في المياه الدولية، أن إسرائيل دولة فوق القانون، أو هكذا تريد أن تكون. بالإضافة إلى طبيعتها العنصرية الفاشية، فإن لديها ما يكفي من قوة عسكرية ودعم سياسي، ما يغريها أو يدفعها للتصرف بهذه الكيفية.

من الجهة المقابلة، فإن ذلك التصرف يكشف عمق المأزق الذي وضعت إسرائيل نفسها فيه. وضع لا تتحمل فيه «تحرشاً» قادماً من مجموعة من نشطاء سلام عزّل، ثمة أبطال، يرومون رفع حصار جائر عن حوالي المليونين من البشر. هؤلاء الأخيرون يئنون تحت حصار خانق محكم، يخجل منه عتاة النازية والفاشية القدامى والمعاصرون.

قد لا تبدو المواجهة مع تركيا مختلفة كثيراً عن حالتها مع الدول العربية، فرادى أو مجتمعة، في مسلسل المواجهات العسكرية مع إسرائيل. طيلة حروبها ومعاركها مع الدول العربية، كانت إسرائيل تتصرف مثل جرّاح متمرس يتعامل مع جسم مريض واهن.

تختار إسرائيل المواقع العسكرية والمدنية، بدقة فائقة في المكان والتوقيت مع فاعلية عالية في التدمير. هذا في حين تلهث الجيوش العربية باحثة عن طرف للجيش الإسرائيلي، تتغنى أمام شعوبها بضربه وتدميره.

عسكرياً وسياسياً دولياً، وحتى ديمغرافياً محلياً، فالدولة التركية أمام إسرائيل من الضعف بمكان. لو لم يكن الأمر كذلك، لما أقدمت إسرائيل على قتل نشطاء سلام أتراك مدنيين عزّل. حدث ذلك في المياه الدولية وبدم بارد من قبل جندي بحري إسرائيلي، يقال إنه كان يعد ضحاياه باستهتار وعربدة وتلذذ.

تكمن عناصر ضعف الدولة التركية في أنها أولاً دولة أقل تسليحاً نوعياً، وربما كمّاً! مقارنة بإسرائيل. بفعل التكنولوجيا العسكرية المتقدمة المزوّدة بها، فطيران إسرائيل وأسطولها الحربيان قادران على الوصول السهل إلى أية نقطة على الساحل وفي العمق التركيين.

ثانياً؛ تجثم تركيا على جملة من القضايا المصيرية المزمنة؛ «دمامل ديمغرافية جسيمة» قابلة للتفجير في الظروف الملائمة لها. هنالك قضايا تهدد وحدة الدولة التركية الحديثة، مثل القضايا الأرمينية والكردية والقبرصية والحدود البحرية مع اليونان، بالإضافة إلى أخرى قد تكون أكثر حدة وشؤماً.

ثالثاً؛ الدعم الغربي، وخاصة الأمريكي شبه ثابت، بل يشتد عضده أكثر، لإسرائيل في حال حصول مواجهة عسكرية مفتوحة. الإسلاموفوبيا لدى الغرب في أوجها، بسبب الحشد والتضخيم الإعلاميين المتراكمين، خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 في نيويورك. لا غرابة في القول إذا ما زعم أحدهم أن إسرائيل تلقت إشارة الرضى، وحتى البدء بالهجوم على «أسطول الحرية»، من حليفها الاستراتيجي الأمريكي.

تأخذ المنهجية التركية الحديثة صورة غاية في السلبية، في أنظار السياسات الغربية بشكل عام والأمريكية بشكل خاص. عادت تركيا عنوة إلى الأحضان الإسلامية والشرقية، بعد عقود من الولاء السياسي للغرب. القيادة التركية ممثلة برئيس الوزراء رجب طيب أردوغان، هي أقرب في صورتها إلى الرموز الإسلامية المكروهة أو المغضوب عليها غربياً.

في المقابل، تقف وراء القيادة التركية كتل بشرية واسعة عريضة، في الشرق الإسلامي بصورة رئيسية، وفي التجمعات الأخرى في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية. هذه الكتل لا تخفي تعاطفها العقائدي والسياسي مع قيادة أردوغان.

لكن ينقص هذه الكتل الثقل السياسي والقوة الاقتصادية والتمويلية، والعسكرية قبل هذا وذاك. شعوب تئن منذ عقود طويلة تحت نير أنظمة محلية ميدانية قمعية متسلطة، وتعاني من سياسات التجهيل والعزل، والحرمان من الحرية والديمقراطية الحقيقيتين.

إذا ما أرادت تركيا اختبار مصداقية هيبتها التقليدية والحديثة في الساحة الدولية، فما عليها إلا أن ترسل قطع أسطولها الحربي لمواكبة سفن مساعدات إنسانية جديدة. حتماً سيكون هنالك امتحان عسير لجدوى العلاقات التركية ـ الأطلسية السابقة والحالية، ثم العلاقات مع الصديق والحليف والعدو.

بالذات، تمكن الإجابة عن أسئلة كثيرة قد لا تكون محيرة لدى الكثيرين. من هذه الأسئلة: هل بقيت ثمة حاجة ماسة للغرب بتركيا؟! هل بإمكان أردوغان أن يذهب أبعد مما فعل في مواجهة الكيان الإسرائيلي، ركوناً على الدعم الشعبي الواسع له عبر العالم؟!

أم بات عليه أن ينظر إلى حل يحفظ له ولتركيا ولو بعض ماء الوجه، أمام تصرف إسرائيلي همجي، ثمة عادي، ضد مواطنين أتراك مسالمين عزّل في عمق المياه الدولية؟!

جامعة الإمارات

Nasrin@uaeu.ac.ae