يبدو أن تأثيرات الأزمات الاقتصادية المتتالية في أوروبا، قد ألقت بظلالها على نوعية الاقتناع السياسي لدى الناخبين، وأدّت إلى فرز توجههم في أغلب الدول نحو اليمين، وهو ما بيّنته نتائج الانتخابات البرلمانية التي جرت مؤخرا في أكثر من دولة.
وحسب رأي كثير من المحلّلين السياسيين والاقتصاديين في أوروبا، فإن التوجه نحو اليمين، أو على الأقل تقليص النفوذ اليساري بأكبر قدر ممكن، سواء من خلال هزمه أو محاصرته بتحالفات عجيبة، سيكون له تأثير بارز على قدرة الدول المعنية على امتصاص آثار الأزمات المذكورة، وبالتالي منعها من التمدد في اتجاهها.
ويبدو أن الأحزاب اليمينية على اختلاف أطيافها، قد نجحت في استغلال معاناة الشعوب في اليونان وغيرها، خصوصا تلك الناجمة عن سياسة التقشف الضرورية، والتي اضطر الفريق الحاكم لفرضها كي يتمكن من إنقاذ اقتصاد البلاد المنهار، فوضعتها شعارا بارزا في أعتى حملاتها الانتخابية.
النتيجة كانت واضحة: تراجع واضح لأحزاب اليسار وتمدد ملحوظ لأحزاب اليمين المحافظ أو الليبرالي، لكن أيضا لليمين القومي المتشدد، في دول مثل المجر وهولندا تحديدا. وبالتأكيد، فإنه ستكون لهذا الفرز السياسي الفريد تبعات مختلفة على أكثر من صعيد.
فعلى الصعيد الاقتصادي، سيعني ذلك مباركة من قبل الناخبين لتحقيق سلسلة من الإصلاحات الهادفة لتقليل العجز في المال العام، مع كل ما قد يعنيه ذلك من زيادة نسبة المعاناة الشعبية، تحت وطأة الضرائب المتزايدة أو الرسوم الجديدة المفروضة في قطاعات الصحة والتعليم وما شابهها.
وهذا في الحد الأدنى يمثّل تطورا نوعيا في طبيعة التفكير الشعبي، لا سيما داخل الديمقراطيات الحديثة في شرق ووسط أوروبا، والتي كانت تعتبر مسائل اجتماعية مثل تلك بمثابة جزء لا يتجزأ من نسيجها الوجودي كلّه.
ويعتقد كثيرون أن استعداد الناخبين للتضحية بمكتسبات كثيرة مثل هذه، إنما يعني ولوج المجتمعات المذكورة في مرحلة جديدة من التطور، تنطلق أولا من القناعة السياسية بضرورة الاستمرار في تكريس الوجود الانتمائي الغربي في الخارطة الجيوسياسية الجديدة، وتنتهي ربما بالقلق من السياسة الاجتماعية التضامنية، التي غالبا ما تميّز أداء الحكومات الاشتراكية الديمقراطية أو الائتلافية التي تضطر أحيانا للالتزام ببنود برامج يطغى عليها الطابع اليساري.
وليس معروفا بأي حال ما إذا كانت هذه الظاهرة ستبقى ملازمة للتطور السياسي الأوروبي خلال المرحلة المقبلة، لكنها بكل تأكيد سمة بارزة في الوقت الآني، لا سيما في دول مثل تشيكيا والمجر وبولندا وبلغاريا ورومانيا وكثير من دول البلقان والبلطيق.
أما الدول الغربية المتمرسة في العمل السياسي الديمقراطي، فإن دفة التطور فيها قد ترسّخت على المسار اليميني (فرنسا وألمانيا وبريطانيا)، في حين برز هذا الخيار بقوة وإن بأشكال مختلفة، في دول أخرى مثل هولندا.
وعلى الصعيد السياسي، سيعني هذا التطور أمرا مهما للغاية. فهو سيثبّت الخيارات الصعبة التي كانت معظم أحزاب اليسار (ولا أقول جميعها) تتلكأ في تبنّيها، أو على الأقل تستغلها لأغراض انتخابية بسبب شعبويتها الواضحة.
ويبرز في هذا السياق التورط العسكري في العمليات التي تتطلّب إرسال الجنود إلى ساحات القتال في دول مثل العراق وأفغانستان، ناهيك عن مسألة المشاركة أم عدمها في الاستراتيجيات الأميركية المثيرة للجدل، وفي مقدّمتها الدرع الواقية من الصواريخ المعادية.
ونستذكر في هذا السياق، التباين الواضح القائم في تشيكيا بين الحزب الاشتراكي الديمقراطي الرافض بوضوح لقاعدة الرادار الأميركية، في حين أن أبرز الأحزاب اليمينية التي قد يتشكل منها الائتلاف الحكومي الجديد، تدعو بقوة لاستضافة القاعدة المذكورة. وقد تكون لذلك اعتبارات كثيرة، أبرزها إيديولوجي الملمس، لكن دون أن ننسى بالطبع البعد الاقتصادي المترافق مع حدث مهم مثل هذا.
لعلّ ما يجب أن يثير انتباهنا في كل هذه الحركة السياسية الآخذة بالنمو بأشكال مختلفة، هو تأثيراتها المرتقبة على منطقة الشرق الأوسط، وذلك انطلاقا من التمايز الذي يميّز أداء الأحزاب التي ستسيطر على مسألة صنع القرار في بلادها، وتاليا في مؤسسات الاتحاد الأوروبي.
فثمة إيمان قوي لدى كثيرين، ربما عن سذاجة مفرطة أحيانا، بأن أحزاب اليسار الأوروبي طالما سعت لتبنّي جانب الموضوعية في الصراعات المختلفة في منطقة الشرق الأوسط، وتحديدا في تفاصيل الصراع العربي ـ الإسرائيلي.
وهذا يعني أن تراجع تلك الأحزاب عن سدة القرار وحلول أحزاب اليمين المختلفة مكانها، سيشوّه نسبة الموضوعية في القرارات التي قد تصدر عن الاتحاد الأوروبي في المستقبل، لا سيما وأن تلك الأحزاب اليمينية، في معظمها، قد أثبتت في مناسبات كثيرة انحيازها الواضح لطرف دون الآخر.
مقابل كل ما سبق، يجب بكل تأكيد أن لا نغفل أهمية البُعد المتصل بمسألة الهجرة، وما يتفرع عنها من أمور مرتبطة بالتكامل في المجتمعات الجديدة والمشاكل العديدة الناجمة عنها، والتي شكّلت بالنسبة للبعض وقود الصراع الحضاري، المزعوم أو الحقيقي لا فرق، والذي يحاولون زرعه كفزّاعة دائمة في نفوس الأوروبيين بين وقت وآخر، لتحقيق مآرب انتخابية واضحة.
ولعلّ أبرز مثال حول هذا الأمر، هو ما جرى مؤخرا في هولندا، الدولة التي كانت ربما من الأشهر والأنجح في مسألة تكريس العيش المنسجم بين الأقلية المهاجرة والأغلبية المواطنة، والتي استيقظت فجأة على مشاعر القومية المتطرفة والمتفجرة.
هذه جميعها تطورات لا تدعو للقلق فحسب، بل قد تكون منطلقا مهما لاستشراف آفاق المرحلة السياسية المقبلة، وتبعاتها على صعيد الأداء الذي سيميز الاتحاد الأوروبي خلال تعاطيه مع القضايا المختلفة.. وهي بلا شك مرحلة دقيقة بكل معنى الكلمة، فلنحسن قراءتها.
كاتب لبناني
ezzedine@volny.cz