أخيراً .. تمخّض الجبل فولّد فأراً، بعد أن قامت الدنيا على جريمتها الشنيعة في عرض البحر، جاءت إسرائيل بصيغة لتشكيل لجنة تحقيق بالحادثة؛ لا تحمل من المطلوب غير الاسم. من تركيبتها وتأخر القبول بفكرتها، يتبدّى أن حكومة نتانياهو وجدت نفسها مضطرة للمجيء بشيء يوحي، وكأنها تجاوبت مع المطلب الدولي، في هذا الخصوص.
لكن في حقيقة الأمر، ما طرحته ليس أكثر من ذرّ للرماد في العيون. وكأنها أحنت رأسها مؤقتاً، ريثما تمر العاصفة. حيلة، لا يجوز ترك إسرائيل تمريرها. فما ارتكبته، جريمة وقعت في ساحة دولية؛ التحقيق بشأنها لابدّ أن يكون من صلاحية لجنة دولية، على أن تحال نتائجه بالنهاية إلى جهات دولية. بخلاف ذلك، لن تتحقق العدالة، وبالتالي لن تلقّن إسرائيل الدرس الذي تستحق.
بعد المراوغة والمماطلة، رست حكومة نتانياهو على لجنة من خمسة إسرائيليين واثنين من الخارج: ايرلندي وكندي. طرحتها بشيء من المن. وكأنها تكرمت وقبلت بالتحقيق بعد أن كانت قد رفضت فكرته كلياً، في البداية.
جرى ذلك بالتنسيق مع واشنطن، التي سارعت إلى الترحيب بمصادقة الحكومة الإسرائيلية على التشكيلة. وكانت إدارة أوباما قد مهّدت الطريق، من البداية، لولادة مثل هذه اللجنة؛ ومنحتها الثقة قبل الإعلان عنها. وكان ذلك بمثابة دعم مسبق لرفض إسرائيل، تكليف أي لجنة دولية للقيام بهذه المهمة. طبخة إسرائيلية ؟ أميركية لتبريد حرارة الردود على العدوان.
مطالبة الإدارة الأميركية لإسرائيل بالإسراع في التحقيق ونشر نتائجه على الملأ، لا يغير من حقيقة الأمر بأن تعيين اللجنة لم يكن إلا إخراجاً لشراء الوقت وتمييع المسؤولية. وإلاّ كان ينبغي القبول بلجنة مستقلة، تتوفر فيها المعايير المنشودة. تقصّي الحقائق، في قضية بين اثنين؛ لا يقوم به أصحابها. فكيف إذا تولاّها أحدهما لوحده في غياب الآخر.
بالأحرى تغييبه، والاستعاضة عنه باختيار مراقبين أجانب. لإسرائيل أن تقوم بتحقيقها. وهي بكل حال فعلت لتنفيس المطالبات والضغوط، لكن على أن تبقى نتائجه لها. فلا يستقيم أن تكون هي الخصم والحكم، في آن. مسؤولية المجتمع الدولي أن لا يترك إسرائيل أن تفلت بهذه الجريمة وباللجنة الخدعة لطمسها، عليه التمسك بلجنة دولية، تضع الأمور في نصابها.
