ما زلنا حتى الآن نتجادل حول ما إذا كان من الحكمة الإغارة على تلك المواقع التي كان يتخندق فيها اليابانيون أو ما إذا كانت السيطرة على كل تلك الجزر أمراً ضرورياً من الناحية الاستراتيجية.
لكن مع ذلك لا أحد منا يشكك في سجل سلاح البحرية الأميركي الحافل بالمواقع التي ألحق فيها هزائم نكراء بجنود المشاة اليابانيين، محطمين بذلك أسطورة الجندي الياباني الذي لا يهزم.
ومنذ الحرب العالمية الثانية، لا تتردد قيادة قواتنا المسلحة في استدعاء وحدات سلاح البحرية إلى أي مكان تجد فيه أميركا نفسها عالقة في موقف صعب أمام أعداء، يفترض أنهم غير قابلين للهزيمة، في أماكن دموية مثل الإنشون وحوض الشوسين في كوريا، هيو وكيه سان، خلال حرب فيتنام، الحصارين الدمويين لبلدة الفلوجة في العراق، والآن في أفغانستان.
وعلى مدار القرنين الأخيرين، بزغت حقيقتان مهمتان حول سلاح البحرية الأميركي. الأولى، أنهم قادرون على هزيمة أعتى خصوم أميركا في أقسى الظروف. والثانية، أن طريقتهم الخاصة في القيام بعملهم، وثقافتهم غير المألوفة في ما يتعلق بالاعتداد بالذات، تزعج مخططينا العسكريين، إلى درجة أن بعض كبار القيادات يحاولون إما كبح استقلاليتهم أو التخلص من سلاح البحرية من أصله.
فبعد المعارك الشرسة التي خاضها جنود المارينز في حملة الباسيفيكي خلال الحرب العالمية الثانية، أراد وزير الدفاع لويس جونسون تفكيك سلاح البحرية، متسائلاً عن جدوى عمليات الإنزال البرمائية في العصر النووي. وقد وافقه الرأي رئيسه هاري ترومان، الذي لم يكن هو الآخر يحب غرور المارينز.
ثم جاءت بعد ذلك الحرب الكورية، وفجأة أصبح البنتاغون يطالب بزيادة حجم سلاح البحرية. وكان القتال ضد عتاة المحاربين الكوريين الشماليين والصينيين الشيوعيين، من أشرس المعارك في تاريخ الحروب المنظمة على مدى ثلاثة آلاف سنة.
وقد أثبتت استراتيجية إنزال القوات على الشواطئ المعادية، التي كانت تعتبر فكرة قديمة بالية في تلك الفترة، مرة أخرى أنها طريقة ذكية للتفوق التكتيكي على العدو.
وبقي سلاح البحرية بعد الحرب الكورية وبعد لويس جونسون وهاري ترومان، وظل يكدّ ليبني لنفسه موارده الخاصة للدعم اللوجستي والدعم الجوي ومبادئه التكتيكية الخاصة.
وكان الاكتفاء الذاتي، الذي حظي به سلاح البحرية، ردة فعل سببها انعدام الثقة ببقية أذرع القوات المسلحة الأميركية منذ أيام الحرب العالمية الثانية، حين افتقر المارينز للدعم من سلاح الجوي والأسطول البحري، إضافة إلى هواجس المارينز وخشيتهم من أن فروع القوات المسلحة الأخرى ربما تكون معجبة بروحهم القتالية، لكنها متحاملة عليهم بسبب الاستقلالية العالية التي يتمتعون بها.
والآن ها نحن نشهد مرة أخرى واحدة من هذه الهبّات الدورية لإعادة تفحص دور سلاح البحرية. وهذه المرة، يقول المناهضون إن الصورة النمطية القديمة لجنود المارينز المتفانين الأشاوس، لا تنسجم مع ظروف خوض حروب مدنية ضد حركات التمرد تحت قيادة دولية موحدة.
وقد بدأت وحدات المارينز الآن بإعادة الانتشار من العراق إلى أفغانستان، وهي تقوم ببناء قاعدة ضخمة في ديلارام، وتخطط لانتزاع السيطرة على إقليم نيمروز النائي ذي البيئة الوعرة، والذي لا يزال إلى الآن معقلاً صلباً من معاقل طالبان.
وبينما تركز قوات الناتو على المدن الكبرى في أفغانستان، يعتقد المارينز أن بإمكانهم أن يكسبوا تأييد السكان المحليين بطريقتهم الخاصة، ومجابهة وقهر طالبان واستعادة السيطرة على كافة مناطق إقليم نيمروز، مطلقين تحذيرهم المعهود «لا صديق أفضل منا، ولا عدوّ أسوأ منا».
إذن، مرة أخرى، يبدو المارينز مقتنعين بأن براعتهم وشجاعتهم يمكن أن تنجحا في ما فشل فيه الآخرون. ومرة أخرى، لا يبدو أن الجميع متفق معهم.
فلقد نقل عن السفير الأميركي في أفغانستان، الجنرال المتقاعد كارل إيكنبيري، تعليق يشير فيه إلى وجود قوات تمثل 41 بلداً في أفغانستان.. والقوة رقم 42 تمثل سلاح البحرية!
كما نقلت صحيفة واشنطن بوست عن مسؤول في إدارة أوباما طلب عدم الكشف عن اسمه، قوله: «لدينا ترابط عملياتي مع جميع حلفائنا في الناتو تقريباً، يعتبر أفضل من ترابطنا مع سلاح البحرية الأميركي».
بل إن بعض المسؤولين يطلقون على معسكر المارينز الجديد في نيمروز اسم «مارينستان».. وكأن جنود المارينز في مشهد مقتبس من أحد روايات كيبلينغ أو كونراد، أصبحوا قوة مارقة، وأقاموا مقاطعة عمليات مستقلة خاصة بهم.
لكن، مرة أخرى، من الحكمة عدم العبث باستقلالية سلاح البحرية، على اعتبار أن أساليبه في التدريب، الانتشار، القتال، التعامل مع حركات التمرد وحتى خوض الحروب التقليدية، عادة ما تتوج بالنجاح في النهاية. بطبيعة الحال.
المظاهر السياسية والتكنولوجية للحرب دائمة التغير، لكن جوهرها المتمثل في استخدام العنف المنظم كوسيلة لتحقيق أهداف سياسية، لم يتغير منذ العصور القديمة.. ولن يتغير جوهر الصراعات المسلحة طالما لم تتغير الطبيعية البشرية نفسها.
أستاذ الدراسات الكلاسيكية والتاريخية في جامعة ستانفورد
opinion@albayan.ae