أعود إلى «أسطول الحرية»، لأقول إنه ليس مصادفةً أن تقف تركيا وراء هذا الحدث، وهي التي نجحت في مجالات أخرى. يشهد على ذلك حفاظها على نظامها العلماني الديمقراطي، ونجاحها الباهر في التحديث والتنمية، الأمر الذي أكسبها مصداقيةً في نظر العالم، وجعلها واحدة من الدول الناشئة القوية.

وهكذا فقد صنعت تركيا الحدث، بخلق وقائع كادت تخرق الجدار المسدود وتغيّر قواعد اللعبة في مسألة الصراع العربي ـ الإسرائيلي، في حين نجد أن المثقف المناضل يردّد الكلام عن «الحقيقة الموضوعية».

كما يفعل المعجبون بتشومسكي في بيروت، أو يأتي كالعادة بعد فوات الأوان لكي يتعيّش على الحدث. والنتيجة أن الأحداث تهمّشه، بقدر ما يتصرّف ككائن إيديولوجي رجعي.

ومن المفارقات أن تنجح تركيا ودول أخرى، على نحو غير متوقع، فيما أخفق منظرو الحداثة والتقدم في العالم العربي، من أصحاب الفكر الأحادي والعقل الشمولي، بنماذجهم القومية واليسارية والإسلامية.

لكي يراكموا فشلاً على فشل، وتأخراً على تأخر. وبدلاً من أن يعمد هؤلاء إلى إعادة النظر في أفكارهم، نراهم يفكرون بنفس الطريقة المقلوبة التي لا توصل إلا إلى عكس المطلوب.

هذا ما يفعله الذين يدافعون عن المواقف العدائية لتشومسكي من مفكري ما بعد الحداثة، هو الذي لم يجد في أعمالهم سوى «ثرثرة فكرية»، في حين نجد أن مفكراً كإدوار سعيد قد استلهم أفكار ميشال فوكو، أحد أبرز أعلام الموجة الحداثية الجديدة، في واحد من أبرز أعماله: كتاب الاستشراق.

والأدهى أنهم أصبحوا يدافعون عن ثورات وأنظمة ودول ومحاور، لم يعمل أصحابها إلا على خنق حريات التفكير واستئصال المعارضة، أكانت حداثية أم يسارية أم حتى إسلامية. وتلك هي المفارقة الفاضحة مرة أخرى: لقد أمسى رافعو شعار التقدّم هم رجعيّو هذا الزمن.

هذا المصير البائس الذي آلت إليه مشاريع المثقفين، على ما أشخّص الواقع الفكري منذ زمن، يحملني على إعادة النظر في مهنتي ومهمتي وفي العلاقة بينهما، من غير وجه.

الأول؛ أن مهنتي لها الأولوية عندي، بمعنى أن همّي الأول أن أنجح في عملي كمشتغل في حقل معرفي أو ميدان فكري، بحيث أنتج معرفة حول الواقع، بتغيير واقع الفكر في وجه من وجوهه.

ولذا لم أعد أعتبر أن مهمتي الأولى هي الدفاع عن حريتي أو حقوقي أو هويتي أو إنسانيتي، بل أن أفهم لم إذاً ترجمت الحرية مزيداً من الاستبداد، والعدالة مزيداً من التفاوت، والهوية حروباً أهلية وفتناً مذهبية؟!

كذلك الأمر بالنسبة للإنسان وحقوقه؛ فالمهمة الأولى أن أفهم لم إذاً تنتهك الحقوق على يد المدافعين عنها؟ بل كيف نفسر انتشار العنف بعد عهود من التعليم الخلقي والتنوير الفلسفي؟!

إزاء هذا التراجع والانهيار، لم تعد تقنعني أو تجذبني شعارات المثقفين ومقالاتهم حول الحرية والعدالة وحقوق الإنسان أو المرأة. وإنما تشدني المراجعات النقدية لبيار روزنفالون من أجل إعادة بناء مفهوم الديمقراطية، أو كتابات أرماتيا سن الذي يعيد تركيب مفهوم العدالة، أو تحليلات بيتر سلوترديك الذي يحاول صوغ عقلانية جديدة تتجاوز، ليس فقط عقلانية الأنوار، بل عقلانية هابرماس بالذات.

فهم يعتبرون أن أزمة الفيلسوف أو المفكر هي مع مفاهيمه، وأن مهمته الأولى أن يفكر بحرية، بحيث يتحرر من تهويماته أو تشبيحاته أو تعمياته

وهذا ما أحاوله من جهتي؛ إعادة بناء مفهومي للعقلانية أو الحرية أو الهوية، وكذلك في أم المسائل الإنسانية: إعادة النظر في مفهوم الإنسان، في ضوء التحديات الكبرى مجسّدة في آفة مثلثة الرؤوس: الكارثة من جهة العلاقة مع الطبيعة، الهمجية من جهة العلاقة بين النظراء، العدمية من جهة العلاقة مع المعاني والقيم.

الأمر الذي يحملني على فك وصايتي على القيم، والتخلي عن الادعاء بأن المثقفين والمفكرين يملكون مفاتيح الحلول للمشكلات. من هنا لم أعد أثق بالمثقف الذي يدعو إلى تحرير سواه، ففي النهاية كل واحد يصنع حريته بقدر ما يمارس سلطته.

لقد سقط القناع وفشلت الوكالة الحصرية على القضايا، ولم يعد بوسع أحد أن يدعي احتكاراً للحقيقة أو عشقاً للحرية أو تماهياً مع العدالة أو ذوباً في القضية..

فمعالجة المشكلات هي شأن مشترك يسهم فيه الجميع، كل من موقعه وبأدوات اختصاصه. بمعنى أن الحلول يجري ابتكارها وتركيبها، بعقلية المداولة وقواعد الشراكة والحس بالمسؤولية المتبادلة.

من هنا أيضاً لم أعد أقتنع بالندوات الأحادية التي يجتمع فيها مثقفون أخفقوا في مهامهم النضالية، لكي يكرروا الكلام على ما جرى تخطيه وبات يحتاج إلى التفكيك وإعادة البناء. ما يشدني أكثر هو أن أعرف السر الذي مكّن، مثلاً، ساسة كنيلسون مانديلا أو مهاتير محمد أو رجب أردوغان.

من أن يجسدوا نماذج ناجحة في الديمقراطية أو التنمية؛ وما يهمني أكثر أن أعرف السر الذي جعل الصين تحقق قفزة نوعية، لكي تنجح في مغادرة فقرها وصنع تقدمها؛ وأن أفهم، في المقابل، العلّة التي جعلت المشاريع والنماذج تخفق عندنا وتصل إلى نهاياتها البائسة أو مصائرها المدمّرة!

وأنا إذ أهتم بما يقوله رجل السياسة، أهتم بالقدر نفسه بما يقوله أصحاب الشركات ورجال الأعمال. من هنا متابعتي بيل غيتس الذي هو واحد من صناع عالمنا المعاصر، وهو في نظري أكثر صلة.

من الفيلسوف جيجك، بالحقيقة والعدالة والديمقراطية، بتواضعه وطريقة إدارته لشركته وكيفية توزيع ثروته، فضلاً عن قوة الابتكار والخلق لديه، للوقائع والحقائق في صناعة البرمجيات.

وعلى هذا النحو أتعامل مع الفاعلين في بقية الحقول، لاسيما أصحاب النماذج الناجحة: كيف يفكرون؟ وبأي عقل يديرون أعمالهم؟ أو كيف يصنعون حياتهم؟ من هنا أنصت باهتمام، وأحياناً بشغف، لما تقوله مهندسة أو ممثلة أو راقصة أو معلمة أو مصمم أزياء، ولا أنسى لاعبي الكرة.

وبالطبع فأنا أستمع إلى ما يقوله الشاعر أو الروائي أو الفنان، عندما يحدثني عن تجربته وكيفية صناعته لحياته أو حريته.. وهذا ما يعيدني إلى بداية الكلام، إلى أدونيس الذي أقرأ أعماله بشغف.

خاصةً في كتاباته الحرة التي يمارس فيها حيويته الوجودية، لكي يبدع نصوصاً شعرية أو نثرية، أجد فيها مصدر استيحاء، بقدر ما أجدها أكثر غنيً وفائدة، وأكثر جمالاً وإمتاعاً، من كتاباته التي تطغى فيها الاعتبارات والهواجس الإيديولوجية والنضالية.

كاتب ومفكر لبناني

harb@cyberia.net.lb