مع عقد البرلمان الجديد جلسته الأولى اليوم، يكون العراق قد افتتح عملية مواجهة استحقاقاته الدستورية؛ المترتبة على الانتخابات. وبذلك يبدأ العدّ العكسي لإنجاز تركيبة الحكم الجديد. بالأحرى يبدأ التحدّي الجدّي للوحدة الوطنية وقدرتها على استكمال العملية السياسية.

التئام المجلس، بعد انقضاء خمسة عشر يوماً، حسب الدستور، على المصادقة النهائية على نتائج الانتخابات؛ ليس سوى الخطوة الأولى والأسهل في هذه المواجهة. المحك في الخطوات اللاحقة: انتخاب رئيس البرلمان ونائبه، ثم انتخاب رئيس الجمهورية، الذي يقوم بتكليف شخصية تشكيل حكومة جديدة. وهنا تكمن العقدة.

مضى على الانتخابات مئة يوم. استعصى التفاهم على تسمية رئيس للحكومة. الخلفيات السياسية والحساسيات، هائلة ومعروفة. زاد من الصعوبة، غياب الاتفاق على تحديد القاعدة المفروض الاحتكام إليها.

النتيجة كانت، أم الموضوع بقي معلقاً. الأولوية بالتكليف ضاعت بين القائمة الأكبر والتكتل الأكبر، كلّ يدّعي الأحقية بها. الرقص على النصّ الدستوري، أدّى إلى التعثر.

وكان يمكن قبول استمرار الخلاف، لو أنه لا يؤدي إلى احتقانات تتفجّر أمنياً. لكن ما شهدته فترة ما بعد الانتخابات، من تفجيرات ونزف وعودة لأصابع الفتنة؛ ينذر بأن حرق الوقت مجازفة كبيرة. الرسالة كانت واضحة: استمرار الانسداد السياسي له ثمن أمني.

واللحظة العراقية، لا تحتمل مثل هذا الثمن. هي مثخنة بجراحه، بعد أن نالت منه ما يكفي ويزيد. ثم إنها تجتاز مرحلة دقيقة وسريعة العطب، داخلياً وإقليمياً. ناهيك عن اقتراب البلد من استحقاق انسحاب حوالي أربعين ألفا من الوحدات القتالية الأميركية، مع حلول سبتمبر القادم؛ مقدمة لانسحاب القوات الباقية ـ خمسين ألفاً ـ أواخر العام المقبل؛ حسب الخطة التي التزمت بها إدارة أوباما.

في الانتخابات السابقة، مضى شهر ونصف بعد الانتخابات لتشكيل الحكومة. كان من المفترض، بعد كل التجارب المكلفة التي مرّ بها العراق؛ أن لا يطول الأمر هذه المرة ويشطح كل هذه المدة. التوقعات العراقية المتداولة تتحدث عن عدة أشهر، قبل أن يتم اختيار الرئيس العتيد للحكومة.

مع أن الكل يرفع شعار الشراكة الوطنية، وضرورة التوصل إلى صيغة تضمن تحقيقها. آن أوان ترجمة هذا الشعار على أرض الواقع. الجميع يعرف تماماً أن لا خيار سليماً آخر.