يقول مثل صيني إن الأزمات تولد الفرص: الفرص لتغيير وضع ساهم أصلا في حصول هذه الأزمة. أسطول الحرية الذاهب إلى غزة ودبلوماسية القرصنة الإسرائيلية كرد فعل على هذا الأسطول تحمل فرصة لكنها تحمل أيضاً العديد من التحديات، ولا بد بداية من الإشارة إلى أهم تداعيات وانعكاسات ما قامت به إسرائيل:
أولا، وضع موضوع حصار غزة مجددا على الطاولة بعد أن كان وللسنوات الثلاث الماضية مسألة مسكوتا عنها ومقبولة ضمنيا وكأن تجويع مليون وخمسمائة ألف فلسطيني وتحديد عدد الوحدات الغذائية التي يحصل عليها كل مواطن في غزة كل يوم قرار إسرائيلي كما يذكر الكاتب توماس فريدمان وكأنما هذه المأساة الإنسانية يمكن تجاهلها «وإدارتها» بالحد الأدنى الممكن.
وضعت المسألة بقوة على الطاولة ليس فقط كقضية إنسانية بل كمسألة سياسية فاهتز ان لم يكن قد سقط، والسقوط يعتمد على كيفية التعامل مع هذه الأزمة لاحقا، التفاهم بين الأطراف المؤثرة والفاعلة الذي كان قائما حول «إخفاء» وتهميش المسألة الغزاوية.
ثانيا، وجد وضعا دوليا شعبيا وحكوميا متعاطفا بشكل كبير مع أهل غزة وينتقد ولو بدرجات متفاوتة ما قامت به إسرائيل مما «يربط» مجددا مسألة غزة كمدخل ساخن للتعاطي مع القضية الفلسطينية وإسقاط المنطق الحاكم لهذه القضية، منطق إدارة النزاع وليس تسويته والمحاولة الخجولة للخروج من الوضع القائم الذي تكرسه علنا ورسميا السياسة الإسرائيلية فلن تعود المسألة قضية مفاوضات غير مباشرة أو تهيئة لمفاوضات قائمة مسألة باهتة وباردة وهامشية على الأجندة الدولية والشرق أوسطية بل عاد الموضوع ليطرح بقوة عبر البوابة البحرية الإنسانية وما نتج عنها.
ثالثا، أحداث صدمة قوية في الجسم الفلسطيني، صحيح ان حماس خرجت منتصرة ومثبتة مرة أخرى ان الحصار لم يسقطها لا بل زاد من قوتها وان جريمة ضرب محاولة فك الحصار قد عزز مكانتها السياسية وصحيح ان السلطة صار من الصعب عليها المضي في المحادثات غير المباشرة التي هي أساساً عملية تقطيع وقت إلى حين بلورة إخراج ممكن للمفاوضات المباشرة الفلسطينية الإسرائيلية لكن ايا كان الاختلال الذي حصل في التوازن الداخلي للجسم الفلسطيني فان الفرصة صارت سانحة لإعادة تموضع من كلا الطرفين الفلسطينيين يكون بمثابة التجاوب الوحيد الممكن.
والمطلوب لبلورة استراتيجية وطنية فلسطينية تستفيد من هذا التطور الحاصل وتحاول إخراج القضية الفلسطينية من النفق التي وضعت فيه وتحررها قدر الإمكان من الحروب الباردة والصراعات العربية الاقليمية الدولية التي صارت القضية مادتها وأداتها بامتياز فالأطراف غير الفلسطينية كل لأسبابه صار بحاجة إلى تعزيز هذا الدور الفلسطيني الذي يبقى الشرط الضروري وقد يكون غير الكافي للولوج إلى التسوية العادلة والشاملة.
رابعا، فرضت دبلوماسية القرصنة نقاشا قويا في إسرائيل بين من برر العملية باعتبار ان الأمن الإسرائيلي حق مطلق يتخطى كل الاعتبارات الدولية والإنسانية الممكنة وعبر عن ذلك من اعتبره البعض بمثابة يسار الحكومة ايهود باراك وزير الدفاع الذي يردد دائما ان إسرائيل هي بمثابة «فيلا في غاب»، وللتذكير فباراك عضو الحكومة المصغرة التي اتخذت قرار الهجوم على سفينة الحرية.
وبين رأي آخر يتصاعد ويقول انه ليس من مصلحتنا الصدام مع العالم وخاصة الصدام مع الولايات المتحدة والانعزال فهذه سياسات مكلفة لإسرائيل باعتبار ان الأمن ليس موضوعا عسكريا فقط بل هو سياسي بامتياز ينتج عن علاقات وثيقة مع القوى الفاعلة وصورة ايجابية في ذلك العالم.
ويرى البعض ان ما حصل سيكون بداية أزمة تعززها أوضاع دولية وأميركية ضاغطة وتنتج عنها محاولات إسقاط الحكومة والذهاب إلى انتخابات تشريعية جديدة لكن المناخ العقائدي والسياسي المهيمن في إسرائيل مازال مناخا يمينيا متشددا سواء في شقه الوطني أو الديني. المثير للاهتمام في السياق ذاته يكمن في ارتفاع منسوب التوتر بين فلسطينيي إسرائيل والمؤسسة الحاكمة مما يزيد في تعميق الشروخ القائمة بين الطرفين.
وابرز ما عبر عن هذا الوضع لا بل رمز هذه الانتفاضة النائب حنين الزعبي من حزب التجمع الوطني الديمقراطي التي كشفت بمواقفها وما أثارته من ردود الفعل العنصرية الإسرائيلية في تجلياتها.
خامسا، خرجت تركيا منتصرة بشكل كبير في هذه الأزمة وكرست نفسها كالمدافع الأول في العالمين العربي والإسلامي عن القضية الفلسطينية بل صارت الرمز لهذا الدفاع بما يحمله من معان على صعيد الرأي العام العربي والإسلامي.
كل ذلك وهي تحمل خطابا يندرج كليا في السياقات وفي اللغة الدولية المقبولة والمتعارف عليها وتحت سقف ما هو متعارف ومتفق عليه كشرعية ومرجعية دولية مما يزيد من قوة الموقف التركي. فتركيا وضعت شروطا مقبولة مرة أخرى دوليا ومنطقيا لتطبيع علاقاتها مع إسرائيل منها بالطبع قبول بتحقيق دولي.
لكن هذا الحدث كان بمثابة إعلان لنهاية العلاقات المميزة بين تركيا وإسرائيل وما تحمله هذه النهاية من تحولات استراتيجية في المنطقة تتخطى الشأن العربي الإسرائيلي.
أسطول الحرية حمل تركيا لتتموضع هذه المرة بشكل أفضل وكلي في قلب النظام العربي المفتوح على مصراعيه الذي يشهد أعلى درجات تفككه مما اوجد حالة من القلق المكتوم في هذا النظام الرسمي تجاه الدور التركي الذي يحمل «مخاطر» ذات مصداقية اكبر للأسباب المذكورة سابقا على النظام الرسمي العربي مقارنة مع الدور الإيراني بسبب طبيعة الخطاب الدولي عند كل من الطرفين وطبيعة العلاقات التي تربط كل من الطرفين بشكل خاص مع الغرب.
سادسا، وجدت واشنطن نفسها في حالة ارتباك بين حليف استراتيجي وصديق مميز صار عبئا عليها كما يقول أكثر من شخصية سياسية وفكرية أميركية فإلى أي مدى ستذهب واشنطن في الضغط على إسرائيل للقبول بالخضوع لسقف القانون الدولي اذ دون ذلك ستخسر واشنطن ما بقي لها من مصداقية وستهتز وعودها وهي في بداية تحريك المحادثات غير المباشرة للعودة إلى مفاوضات السلام .
وكيف ستلاقي واشنطن حليفها التركي في مطالبه المحقة وهي بحاجة إليه كصلة وصل مع الأطراف التي ترتبط معها واشنطن بعلاقات متوترة وهي بحاجة لتركيا أيضاً في ملف تحريك المفاوضات الإسرائيلية السورية غير المباشرة كذلك الأمر بالنسبة للدور التركي في طمأنة الأصدقاء في المنطقة وفي إطفاء الحرائق وتبريد النقاط الساخنة ودعم الاستقرار الاقليمي كل هذه الأدوار التركية معلقة حاليا لا بل مرتبطة بتسوية مسألة دبلوماسية القرصنة الإسرائيلية.
كاتب لبناني
hitti@wanadoo.fr
