للمجتمع المدني أو المؤسسات الأهلية التطوعية دور مهم في تفعيل العمل الاجتماعي ونشر الوعي بقضايا وهموم الوطن، فدوره مكمل لدور المؤسسات الرسمية في التنمية الاجتماعية والثقافية.

ولا يكتمل عمل المجتمع المدني ودوره الفاعل إلا بوجود أفراد فاعلين نشطين مشاركين بهمة في تفعيل هذا المجتمع متى ما أحسوا أن هناك تراجعا في دوره وفي نشاط مؤسساته التطوعية.

وتعد فاعلية المجتمع المدني مؤشرا لقياس مدى تطور المجتمعات ومدى تحمل المؤسسات الأهلية لدورها المنوط بها. فنشاط هذا المجتمع وفاعليته تعني أن هناك نوعا من الثقة المجتمعية به وبدوره في اثراء الوعي المجتمعي، وتراجع دوره يعني أن العلاقة بينه وبين الفرد والمؤسسات الرسمية يشوبها نوع من عدم الثقة وفقدان المصداقية.

وعلى الرغم من أن نشأة المجتمع المدني في الإمارات أقدم من الاتحاد وعلى الرغم من نشاطه المتقدم إلا أن الملاحظ أن دوره بدأ في الانحسار التدريجي مع تنامي عملية التنمية المجتمعية، وهي ظاهرة تعد عكس ما يحدث في مجتمعات العالم المتقدم.

كما أن تفاعل الأفراد معه يشوبها نوع من البرود بل الجمود أحيانا. هذه الظاهرة المثيرة للاستغراب تدعو لدراسة أسباب ضعف مؤسسات المجتمع المدني في الإمارات خاصة وفي دول الخليج عامة، وتحليل هذه العوامل بغية الوقوف على الأسباب المؤدية إلى هذا الانحسار.

يعزى البعض أسباب الضعف إلى انصراف الناس عن العمل التطوعي الاجتماعي عامة والى تفوق أصحاب القرار الاقتصادي وطغيان سلطتهم وهيمنتهم على الحياة العامة الأمر الذي حول أصحاب العمل الاجتماعي إلى أفراد هامشين.

عامل آخر هو ربما المتغيرات الحياتية التي صرفت الأفراد عن العمل الاجتماعي وحولت اهتمامهم من الشأن العام إلى الشأن الخاص في محاولة جاهدة لتحسين ظروف حياتهم في ظل المتغيرات الاقتصادية الطاحنة التي تمر بها جميع مجتمعات الخليج.

إضافة إلى هذه العوامل يأتي الاهتمام بالشأن الاجتماعي في آخر سلم أولويات الفرد في مجتمعات الرفاهية، حيث أوكلت كل المهام العامة للدولة وتخلى الفرد عن دوره التطوعي. هذه بعض وليست كل الأسباب التي تساهم في دفع الفرد بعيدا عن ميدان العمل الاجتماعي.

ولكن هذه المبررات جميعها لا تشفع لهذه المجتمعات عن تراجع العمل الاجتماعي الذي هو مكمل لعملية التنمية المستدامة التي تنشدها الدولة. فهناك من لديه الرغبة في العمل التطوعي ولكنه لا يعرف أين يتوجه، وهناك مؤسسات أهلية تمد يدها ولا تعرف كيف تصل للفئة المستهدفة، وهناك مؤسسات أهلية تفتقد الموارد المالية وتظل تنظر للدولة كمصدر دون أن تعمل على تنويع مصادر دخلها.

إذاً هناك نوع من الخلل قد يكون في عمل تلك المؤسسات أو في العلاقة بينها وبين الفرد أو بينها وبين الدولة. ومن هنا يجب التمعن بعمق في الأسباب المسؤولة عن هذا التراجع أو العزوف ومعالجتها لأنها سوف تصبح مسؤولة عن وهن العلاقة المجتمعية بين الشارع والدولة.

والملاحظ أن موضوع ضعف مؤسسات المجتمع المدني لا يثير حاليا الاهتمام ولا الرغبة في تحسين وتقوية هذه المؤسسات ووضعها مجددا على الطريق الفاعل الذي اختطته لنفسها منذ بداية عملها، وأيضا لا يثير موضوع العزوف عن المشاركة المجتمعية الفرد المنغمس في شؤونه الحياتية ولا الدولة التي تنظر أحيانا بعدم الثقة لعمل هذه المؤسسات متحينة الفرصة لسحب البساط من تحت بعضها بذريعة عدم فاعليتها.

وهكذا يظل العمل المدني التطوعي يدور في حلقة مفرغة. والمتضرر الوحيد من هذه العملية هو المجتمع والذي من حقه علينا أن نرد له جميله ونضع يدا بيد في سبيل الارتقاء بأوضاعه العامة اجتماعيا وثقافيا وتوعويا.

وعلى الرغم من عملية الشد والجذب هذه الا أن هناك حقيقة لا يمكن إنكارها وهي أن هناك رغبة رسمية ولو شكلية في استمرار عمل مؤسسات المجتمع المدني. فجميع دول الخليج تعرف أنه على المستوى العالمي لا يمكن قياس درجات الوعي العام بالقضايا السياسية والحقوقية والاجتماعية والبيئية والثقافية من خلال عمل المؤسسات الرسمية فقط، وإنما من خلال مؤسسات المجتمع المدني.

ولذا تأخذ دول الخليج جميعها منحى تشجيع عمل مؤسسات المجتمع المدني كواجهة مهمة ومكملة لعمل المؤسسات الرسمية. والحقيقة الأخرى التي لا يجب أن تغيب عن البال أن الإنسان في مجتمعات الخليج قد وصل إلى درجة عالية من الوعي والتواصل الثقافي والإنساني ليس فقط مع قضاياه المحلية والإقليمية بل مع مجمل القضايا العالمية.

وقد دلت قضية «أسطول الحرية» على مدى التزام مؤسسات المجتمع المدني خليجيا وعربيا على المشاركة المجتمعية ومدى تواصلها مع محيطها العربي والعالمي. وإذا كان في الإمكان استثمار هذا الوعي وتحويله كرصيد مهم لعمل مؤسسات المجتمع المدني المحلية وتقويتها.

ولتفعيل العاملين في هذه المؤسسات وحثهم على المشاركة بفعالية تحتاج المؤسسات الرسمية أن تزيل أولا نظرة عدم الثقة والمصداقية في قضية عمل هذه مؤسسات المجتمع المدني. فعندما يحس الفرد بأن رأيه له وزن وعمله ذي قيمة سوف يقبل على العمل التطوعي الاجتماعي بنفس مفتوحة ولكن عندما يحس بوجود علاقة تشوبها شوائب أو يحس أنه مجبر على العمل الاجتماعي لاعتبارات أخرى قد يكون آخرها الرغبة في تطوير المجتمع والارتقاء بأوضاعه، فهنا الكارثة في عمل تلك المؤسسات.

ولتفعيل عمل هذه المؤسسات تحتاج أولا لتجديد الدماء، فعمليات نقل الدم كافة لن تفلح في ضخ النشاط والحيوية إلى هذه المؤسسات ما لم تجذب لها عناصر جديدة قادرة على العطاء لتجديد الرؤى والبرامج. من ناحية أخرى على هذه المؤسسات النظر في قضية تطوير مواردها المالية بعيدا عن الدولة ويمكن التوجه إلى القطاع الخاص وإقناعه بضرورة المساعدة وأهميتها.

أن تفعيل عمل المجتمع المدني هو قضية مهمة للارتقاء بالأوضاع العامة ومواجهة جملة التحديات التي يواجهها المجتمع. وللدولة أن تدرك أن وجود مجتمع مدني فاعل يواكب تقدم الدولة وتطورها هو أفضل واجهة للدولة إقليميا وعالميا.

جامعة الإمارات

fatimaalsaayegh@hotmail.com