يبدو أن الصراع بين روسيا والغرب على فرض النفوذ على مناطق الفراغ السوفييتي السابق لم ينته بعد. رغم أن انتصار فيكتور ياناكوفيتش في انتخابات الرئاسة الأوكرانية وتوقيعه معاهدة تمديد ايجار ميناء سيفاستوبل للأسطول الروسي، قد وطد مواقع ونفوذ روسيا في أوكرانيا، إلا أن مواقع أخرى مازالت تشهد صراعات دامية منها جورجيا وقرغيزيا.

لقد تمكنت موسكو من حسم مصير الوضع في أوكرانيا، اذ صادق البرلمان الأوكراني على القانون الخاص بمبادئ السياسة الداخلية والخارجية الذي يحظر انضمام أوكرانيا إلى تكتلات ومحاور عسكرية، وذلك بعد أن أعلنت أوكرانيا رسميا رفضها للحصول على عضوية حلف شمال الأطلسي (الناتو). ويقود القانون الجديد البلاد إلى شراكة استراتيجية مع روسيا، دون أن ينفى أهمية الحفاظ على علاقة استراتيجية مع الولايات المتحدة.

ويأتي هذا الوضع كنتيجة طبيعية لخطوة توقيع «اتفاقيات خاركوف» التي تبقى قاعدة الأسطول العسكري الروسي بموجبها في الأراضي الأوكرانية حتى عام 2042. ولأن روسيا هي الدولة الوحيدة القادرة على إنقاذ أوكرانيا من أزمة اقتصادية طاحنة.

إلا أن الوضع في جورجيا مخالف لم هو عليه في أوكرانيا، حيث حقق حزب الرئيس ساكاشفيلي انتصارا ساحقا في انتخابات المجالس المحلية، ليحصل على أكثر من ثلثي اصوات الناخبين، كما فاز جيجي أجولاف مرشح حزب ساكاشفيلي بمنصب عمدة العاصمة تبليسي.

وتكشف تكهنات المراقبين والمعارضة عن أن أجولاف سيكون مرشح ساكاشفيلي لتولى الرئاسة في الانتخابات القادمة، فيما سيصبح الرئيس الجورجي الحالى رئيسا للوزراء. وقد كشفت نتائج هذه الانتخابات أن ساكاشفيلي وحزبه مازالا يتمتعان بشعبية واسعة في جورجيا، وعكست نفوذاً قوياً للرئيس الجورجي الحالي، الذى سارع عقب انتهاء الانتخابات لزيارة رومانيا واطلاق الدعوة من بوخارست لدعم جورجيا في مساعيها لطرد «المحتل الروسي».

كما أن الوضع في قرغيزيا خرج من دائرة السيطرة الروسية، وبدأت الفوضى في الجنوب والشمال تهدد بانهيار كامل للدولة القرغيزية وإسقاط الحكومة المؤقتة التي أخذت زمام المبادرة عقب أحداث أبريل الماضي التي أطاحت بالرئيس كرمان بيك بكاييف، لحساب موسكو بعد تجاوز الخطوط الحمراء واتخاذه قرارا باستمرار تأجير قاعدة ماناس الجوية للقوات الأميركية.

ولعل التطورات الجارية شكلت الدافع الأساسي للإسراع في تشكيل قوات حفظ السلام التابعة لمنظمة الأمن الجماعي التي تضم قوات عسكرية من روسيا وأرمينيا وبيلاروسيا وكازاخستان وقرغيزيا وطاجيكستان وأوزبكستان مهمتها صيانة وحفظ السلام.

وبدأ الحديث يدور حول إمكانية ارسال هذه القوات إلى قرغيزيا لتباشر تنفيذ مهامها. باعتبار أنها ستقوم بإحلال الاستقرار والأمن، وتقضى على حالة الفوضى المنتشرة في عدد من الأقاليم القرغيزية.

لقد أصبح لدى دول معاهدة الأمن الجماعي قوات لقمع أي تحركات ترى حكومات هذه الدول أنها تهدد أمن واستقرار المنطقة، وأصبحت روسيا قادرة على الوصول عسكريا إلى كل هذه المناطق تحت غطاء شرعي وقانوني لا يمكن انتقاده واعتباره تدخلا غير مشروع. إلا أن العقبة التي تواجه روسيا هي عدم وجود منظومة مؤسسات تملك حق تقييم شرعية السلطات القائمة في هذه الدول.

ومنظمات مثل منظمة معاهدة الأمن الجماعي، ومنظمة شنغهاي، ورابطة الدول المستقلة، لا تمتلك سلطة شمولية أو معترفا بها تمكنها من إضفاء الشرعية واستعادة سلطة القانون.

واذا كانت المنظمات الأوروبية، على غرار منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، مجلس أوروبا، الاتحاد الأوروبي أخذت على عاتقها منح صكوك الشرعية للسلطات في بلدان الفراغ السوفييتي السابق.

فإن روسيا بدأت بالفعل في استعادة هذا الدور. وهو ما كشفت عنه تطورات الوضع في قرغيزيا، إذ فشل الغرب في الحفاظ على نفوذه ولم يعد قادرا من خلال أدواته أن يحدد شرعية الحكومات في دول الفراغ السوفييتي السابق.

إن موسكو تسعى نحو تجاوز حالة الحراك المضطرب في المنطقة والناجمة عن وجود حكومات ضعيفة تعتمد مبدأ الاتجار بولائها، ما يؤدى لظهور موجات غصب شعبي تهدد مصالح كافة الأطراف، ويبدو أن الأدوات الغربية فشلت في التعامل مع هذا الوضع بينما بدأت الأدوات الروسية في تحقيق بعض النجاحات. وبما أن إحلال الاستقرار يحقق مصالح أغلبية الأطراف الدولية فيجب على الدول الكبرى التعاون في حل هذه القضايا الحساسة الدقيقة.

كاتب ومحلل سياسي أوكراني

vladi1949@mail.ru