ماذا تحتاج الدول التي تختبر الديمقراطية او اختارت الديمقراطية في سنوات معدودة بعد فترة طويلة من الاستبداد؟ او تلك التي تعيش مراحل انتقالية؟
يطرح هذا التساؤل نفسه دوما في الدول التي تعيش اوضاعا طبيعية، لكن ماذا سيكون عليه الحال في بلد محتل مثل العراق خارج من عقود طويلة من الديكتاتورية ويعاني حالة من الاحتراب الاهلي؟ ماذا يحتاج بلد مثل العراق في هذه المرحلة التي يعيشها حيث العراقيون يسعون لاعادة بناء الدولة واستلام مسؤولية ادارة بلدهم من المحتل؟
يحتاج العراقيون مثل غيرهم من الدول والمجتمعات التي تختبر الديمقراطية في مراحلها الاولى إلى أمر واحد: «إرساء التقاليد». فالديمقراطية ليست ذهابا متكررا لصناديق الاقتراع، بل جملة من التقاليد التي تحكم الحياة السياسية بالدرجة الاولى، وأبرز المسؤولين عن هذه التقاليد هي الطبقة السياسية في أي بلد. أول هذه التقاليد التي يتعين إرساؤها هي «احترام صناديق الاقتراع».
فلقد مضت الآن شهور منذ اعلان نتيجة الانتخابات التشريعية الاخيرة في العراق، لكن البلد مازال يعيش في أزمة ولم يتم تشكيل حكومة بل واصبح تشكيل الحكومة ايضا رهنا بتجاذبات اقليمية. أول نتائج هذا الوضع هو اهتزاز ثقة المواطن العراقي نفسه بالديمقراطية.
إن الخاسر في هذا الوضع هي الديمقراطية نفسها، فليس هناك من معنى لان تقرر صناديق الاقتراع شيئا ثم تجري الأمور عكس إرادة الناخبين أو أن تصبح هذه الإرادة عرضة للنكوص والتلاعب والمماطلة.
لقد طرحت اتهامات بالتزوير، وجاءت المرجعية المعنية بالحسم في هذا الامر لتؤكد صحة نتيجة الانتخابات. لكن المماطلة استمرت، وبدأت الامور تسير على نحو آخر بعيد عن إرادة صناديق الاقتراع على اكثر من مستوى.
لقد تصرف السياسيون العراقيون وكأن تشكيل الحكومة يحتاج لضوء اخضر من جيران العراق، وفيما كان يتعين عليهم ان يحموا استقلال القرار العراقي، انجرفوا في لعبة التشاور مع الجيران.
أما النتيجة الأخرى المباشرة، فقد دفع الجمود السياسي وعدم تشكيل حكومة، إلى تفجر الوضع الأمني من جديد ودخول أطراف التأزيم وتأجيج الوضع لكي تعود العمليات الانتحارية بزخم وقوة أكبر.
وحتى اليوم لا يبدو أن السياسيين العراقيين قد استوعبوا أهمية ترسيخ التقاليد الديمقراطية باعتبارها ركيزة للاستقرار. فالمثال الذي كان من الممكن أن يقدمه رئيس الوزراء المنتهية ولايته نوري المالكي وباقي الساسة العراقيين في احترام إرادة الناخبين وتسليم السلطة لزعيم القائمة العراقية الحائز على الأغلبية لتشكيل الحكومة، من شأنه أن يرسخ تقليدا أساسيا في المستقبل هو احترام إرادة الناخبين والانتقال السلمي للسلطة.
لعل هذا هو الفارق الأهم بين دول عديدة في الغرب أو في آسيا وبين دولنا ومجتمعاتنا. احد الامثلة القريبة هي انتخابات العام 2000 في الولايات المتحدة التي جاءت بالرئيس السابق جورج دبليو بوش.
فلقد ترافق مع تلك الانتخابات احاديث واسعة عن تزوير باشكال مختلفة، وكان آل غور مرشح الحزب الديمقراطي فائزا في التصويت الشعبي لكن تصويت الجامعة الانتخابية من ممثلي الولايات في مجلس النواب ومجلس الشيوخ جاء لصالح بوش.
لكن بعيدا عن هذا النظام الفريد، فان العالم يذكر جيدا ان اعادة فرز للاصوات قد تمت بعد الانتخابات اثر شكاوى الديمقراطيين حول التزوير، حيث كان جيمس بيكر وزير الخارجية الاميركي الاسبق ممثلا عن الجمهوريين ووزير الخارجية الاسبق ايضا وارن كريستوفر ممثلا عن الديمقراطيين في اللجنة التي قامت بفرز الاصوات. لكن فيما كانت اللجنة تباشر عملها، كان بوش قد استلم مقاليد السلطة ودخل البيت الابيض.
اما الهند، فانها تقدم مثالا اخر على احترام ارادة الناخبين والانتقال السلمي للسلطة. فلقد تعاقب على حكمها مختلف الاحزاب، لكن منذ عقود لم تعقب اي انتخابات في الهند اي فراغ في السلطة او مماطلة في تسليم السلطة للحزب الفائز في الانتخابات ولم تجر عرقلة هذا الانتقال مرة واحدة. هذه هي التقاليد التي رسختها طبقة سياسية متعددة الانتماءات وفيها من الاحزاب المتطرفة والمعتدلة ما لا يحصى، لكن وعي هذه الطبقة السياسية واحساسها بالمسؤولية دفعها دوما لاحترام التقاليد مما اسهم في ترسيخها.
هذا ما يحتاجه العراق مثلما تحتاجه بلدان عدة لا تزال تختبر الديمقراطية خصوصا في المراحل الانتقالية. ومن المؤكد ان هذا يحتاج الى سياسيين من نوع استثنائي واصحاب رؤى ويملكون بصيرة تجاه المستقبل. مثل هذا النوع من السياسيين مازال مفقودا بشدة في غالب بلداننا ومجتمعاتنا.
كاتب وصحافي بحريني