يتشدق الإسرائيليون دائما بكونهم واحة الديمقراطية في محيط من الاستبداد العربي، ويروجون لدى الغرب مقولات تجد صدى في المؤسسات الإعلامية الغربية بشكل خاص وفي دوائر صنع القرار بشكل عام، تصب في مواقف مساندة للكيان الصهيوني باعتباره حامي حمى الديمقراطية، لكن مثل هذه الادعاءات لا تنطلي على العقلاء، فالممارسات سرعان ما تكشف زيف وكذب القشرة الديمقراطية التي تتجمل بها إسرائيل.
وكما وضع العدوان على قافلة أسطول الحرية، القادة الإسرائيليين في مأزق مع العالم بعد ضبطهم بالجرم المشهود،عرى الأسطول ذاته أعضاء الكنيست، واظهر عنصريتهم البغيضة، بعد أن فقدوا صوابهم لوجود النائبة حنين زعبي التي تمثل عرب 48 وعضو التجمع الوطني الديمقراطي على متن إحدى سفن الحرية، فسارعوا إلى كيل الاتهامات لها بالخيانة لدولة إسرائيل، وهي تهمة تعطي صاحبتها وسام شرف لتمسكها بجذورها وانتمائها لبني جلدتها الذين تحاصر آلة القتل الإسرائيلية مليون ونصف المليون منهم في قطاع غزة منذ أكثر من ثلاث سنوات.حنين زعبي ابنة الناصرة، والناشطة السياسية التي بزغ نجمها الحقيقي في عرض المياه الدولية، كل جريمتها في عيون أعضاء الكنيست أنها انضمت إلى الشرفاء من النشطاء الدوليين الذين تنادوا لفك حصار ظالم ينهش في لحم الأطفال والنساء والعجزة في ربوع غزة، فيما العالم يقف مكتوف الأيدي، إن لم يدر البعض ظهره للجريمة، وكأن تجويع مليون ونصف المليون إنسان مجرد خلاف في وجهات النظر!
في قاعة الكنيست، وبعد عملية القرصنة على قافلة الحرية، فتح نواب اليمين الإسرائيلي النار على حنين زعبي، ووصل الأمر إلى محاولة إحدى النائبات الاعتداء عليها بدنيا، وهو ما نقلته وسائل الإعلام والمحطات الفضائية على الهواء مباشرة، ليشاهد العالم صورة إسرائيل الحقيقية، المجردة من زيف الادعاء بالديمقراطية.
لم يتحمل أعضاء الكنيست أن تقف وسطهم نائبة عربية تخالفهم الرأي في قضية الحصار الظالم على أشقائها في غزة، فانبرت لجنة برلمانية لمحاكمتها على التعبير السلمي عن موقفها الرافض لتجويع الرضع والعجزة، ومنع الدواء والعلاج عن المرضى.
وبعد أسبوع من التحريض عقدت إحدى لجان الكنيست ما يشبه المحاكمة للنائبة العربية، وقرر رئيس اللجنة، ياريف ليفين، وهو من حزب الليكود، تخصيص جلسة لرفع الحصانة وسحب الحقوق السياسية والمدنية عن النائبة الزعبي بناء على اقتراح عضو الكنيست اليميني المتطرف ميخائيل بن آري، ممثل المستشار القضائي للحكومة.
وعقب نقاش صاخب أوصت اللجنة بتجريد زعبي من امتيازاتها البرلمانية وفي مقدمتها سحب جواز السفر الدبلوماسي، ومنع التمويل عنها لأغراض الدفاع القانوني، بدعوى أن مشاركتها في أسطول البحرية أمر غير مقبول وغير قانوني.
وخلال تلك الجلسة تعالت أصوات اليمين الإسرائيلي بكل الألفاظ العنصرية، إلى حد تطاول النائب عن حزب (كاديما) اريه بيبي على زعبي بقوله (أقول لها بلغتها: عندما يقدم شخص على الانفصال عن زوجته يقول لها: أنت طالق، طالق، طالق)، وهو ما اعتبرته زعبي انحداراً للكنيست إلى الدرك الأسفل، وتأكيداً لعنصرية وشوفينية نواب الكنيست وخاصة من اليمين.
وفي أعقاب صدور التوصيات احتفل عضو الكنيست الإسرائيلي اليميني المتطرف ميخائيل بن آري، مع مساعديه البرلمانيين، واحتسوا نخب توصيات سحب حقوق زعبي البرلمانية.
وفي تعقيبها على قرار اللجنة قالت زعبي إن الجلسة كانت محاكمة سياسية ميدانية، الهدف والنتيجة معروفة سلفا. لم يكن هناك نقاش لأي من ادعاءاتها، أو للهدف من مشاركتها في أسطول الحرية وأبعادها. أكدت زعبي حسب تصريحات لموقع (إيلاف الالكتروني) أن تصريحات مساعد المستشار القضائي للحكومة تؤكد أن الجلسة كانت محاكمة سياسية. وقالت إنها شخصيا مستعدة للمثول أمام المحاكمة وأن توجه لها تهمة ما إذا كانت فعلا خالفت قوانين جنائية. ما أقوم به هو نضال سياسي وإسرائيل تعتبر خطورة هذا النضال بحجم خطورة التهديد الأمني ولذلك تحاول إعطاء نشاطي السياسي بعدا جنائيا.
هذه المحاكمة السياسية داخل الكنيست التي تحدثت عنها النائبة العربية، تظهر إلى أي مدى زيف الإدعاءات الإسرائيلية عن الديمقراطية، فها هو البرلمان الذي يفترض فيه تمثيل كل الآراء، ويضم النخب السياسية، يتصرف أعضاؤه مثل جماعة من الصبية الذين اعتادوا البلطجة في الشوارع الخلفية للمدن.
رئيس اللجنة حرم النائبة من حضور الجلسة وأخرجها منها أكثر من مرة من دون أن يعطيها حق عرض وجهة نظرها، ولم يمنع رئيس تلك اللجنة ذاته احد الأعضاء من التفوه بألفاظ منحطة مثل تطليق النائبة زعبي من الكنيست بالثلاثة.
أعطتنا قضية زعبي إطلالة واسعة على نوعية من يمثلون المجتمع الإسرائيلي، ومن يمثلهم برلمانيا، كما كشفت لنا للمرة المليون عملية القرصنة المفضوحة على قافلة أسطول الحرية، عقلية العسكر الإسرائيليين ومدى تغطرسهم وغرورهم، عندما لم يقيموا أي وزن للقانون الدولي واعتدوا على سفن مدنية في عرض المياه الدولية للبحر الأبيض، وكلا الأمرين دليل على عمق المأزق الإسرائيلي.
بقي أن كل المحاولات الإسرائيلية لعزل فلسطينيي ما يسمى بالخط الأخضر عن باقي إخوانهم في الأراضي المحتلة، قد باءت بالفشل، فقافلة الحرية التي ضمت حنين زعبي، حملت أيضاً الشيخ رائد صلاح، الذي فشل الجنود الإسرائيليون في اغتياله داخل البحر فجرى تحديد إقامته على البر، وبعد أن شاهدنا في أكثر من مناسبة كيف اظهر فلسطينيو 48 تضامنهم الكامل وانحيازهم إلى إخوانهم في الضفة والقطاع قولا وفعلا وهو بالقطع ما يرعب إسرائيل.

