لم يكن مصطلح «الدولة المارقة» بعيدا عن الأدبيات السياسية والثقافية الأميركية، فقد أطلقه المفكر الأميركي المعروف وليم بلوم، ونعوم تشو مسكي الأكثر نقدا للولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، والأكثر قبولا وشعبية في المنطقة العربية. وهو مفهوم قد أطلق لوصف الدول التي لا تلتزم بالقوانين والقرارات والمواثيق الدولية المنظمة للعلاقة بين الدول والحامية لسيادتها الوطنية.

وهي حالة قد عنيت بها الولايات المتحدة الأميركية، بسبب ممارساتها الخارقة للقانون الدولي في الكثير من المواقع في العالم، إلا أنه تعبير قد وظف كذلك من قبل الإدارة الأميركية لوصف الدول المناهضة لها.

وتحديدا تلك الدول الخارجة عن الطوق الأميركي؛ ككوريا الشمالية وإيران وكوبا، مع أن انتهاكات هذه الدول للقوانين الدولية لا تقارب الانتهاكات الأميركية، رغم قدرة أميركا الفائقة على تبرير ذلك. أي قدرتها على أن تعطي خروجها على الأنظمة والقوانين الدولية، مسوغات قانونية تُشرعن بها سلوكها وممارساتها ومواقفها من الدول والأحداث.

وقد لاحظنا ذلك بشكل جلي في احتلالها للعراق، وفي حربها على الإرهاب التي بررت بها اختراق حدود ومجالات الأمم الأخرى، واستخدامها للطائرات الموجهة من غير طيار في مطارداتها لفلول الجماعات التي تصفها بالإرهابية، في أفغانستان والباكستان واليمن. وهي مطاردات طالما جاءت بأخطاء عسكرية ذهب ضحاياها مواطنون كثر من هذه الدول.

ويشير بن هويدن في مقال سابق له (البيان 6/6/2010) إلى حقيقة أنه، في الوقت الذي تذهب الولايات المتحدة الأميركية بعيدا في البحث عن مسوغات قانونية وربما عقلية لبعض ممارساتها اللا قانونية، فإن إسرائيل رغم عدم امتلاكها لكل أو بعض عناصر القوة الأميركية، لا تعير أهمية لمدى تطابق ممارستها مع المواثيق والقانونية الدولية.

بل إن غطرسة القوة لا تجعل منها منتهكا دائما للحقوق الفلسطينية فحسب، وإنما قد دفعتها لممارسة الفتك تجاه «سفن الحرية» المحملة بالمؤن والأدوية لشعب بات منهك القوة ويفتقر لأبسط متطلبات الحياة، بفعل الحصار الجائر المفروض عليه من قبل إسرائيل.

وهي قافلة كان بإمكان إسرائيل أن تتعامل معها بقدر من المرونة، إلا أنها أبت إلا أن تتعامل معها وفق ثقافتها العسكرية القائمة على الفتك، وإن بررت اعتداءاتها الدموية وفق يافطات الحرب على الأرهاب.

وهي مقولات سرعان ما سقطت بانكشاف حجم القتلى والجرحى في سفينة كل ذنبها أنها قد قررت أن تكسر حصارا جائرا، فرض في غياب وربما تواطؤ الإرادة الدولية. بل إن ردود فعل الحكومة الإسرائيلية حيال الانتقادات والاحتجاجات العالمية، لا يقل غطرسة عن ما قامت به قوات الكوماندوز الإسرائيلية، حيث وصف رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو ردود الفعل والانتقادات العالمية بأنها شكل من أشكال «النفاق العالمي» !

قد يلجأ بعض الدول في تبرير أخطائها ومواقفها السياسية أو أعمالها العسكرية غير الشرعية، كما في الحالة الأميركية والأوروبية، إلى البحث في الثغرات القانونية أو المسوغات الفكرية، إلا أنها كدول، بفعل الحالة العقلية والثقافية التي تعيشها طبقاتها الوسطى، كانت قادرة على التوصل لحالة من الاعتراف بالخطأ ونقد الذات، بل الاعتراف بفداحة أعمالها السابقة بحق شعوب قد استعمرتها.

وتبقى إسرائيل غير قادرة على الاعتراف بأخطائها وبعجزها عن الخروج من مظلوميتها التاريخية. وحالة العزلة التي باتت تعيشها، إن هي إلا نتاج سياساتها المتغطرسة وأعمالها الفاشية في محيطها الإقليمي.

فحصولها على الحماية الدائمة من الولايات المتحدة الأميركية، بالإضافة إلى ضعف دول الجوار والمحيط الإقليمي، يجعل منها قوة قادرة على استباحة هذا الفضاء دون اكتراث بردود الفعل في الإطار الإقليمي والعالمي.

فغياب الإرادة الدولية وعجزها المجتمع الدولي عن فرض إرادته على الحالة الإسرائيلية، جعل منها بحق «الدولة المارقة» ، وإن انتفت عنها مقومات القوة الاقتصادية والعسكرية كما هي الحالة الأميركية.

كاتب بحريني

drbaqer@gmail.com