كسر الفعل الإسرائيلي الأخير بالاعتداء الدموي الآثم على سفن أسطول الحرية في عرض البحر الأبيض المتوسط، كل التوقعات والتقديرات، حيث طفت على سطح الأحداث عالميا العنجهية والصلف والغرور والرعونة الإسرائيلية الصهيونية المصطبغة بالقتل والدماء.
وغير الآبهة بمستتبعات الجريمة الفاشية التي ارتكبت في عمق المياه الدولية، ضد رسل الحرية من نشطاء الإنسانية الذين تداعوا من كل حدب وصوب، من أجل المساهمة في إعلاء صوت العدالة وإيقاظ الضمير العالمي من سباته العميق.
فقد جاءت الجريمة النكراء التي ارتكبت في حق 750 شخصية سياسية وبرلمانية عربية وأوروبية، يتقدمهم المطران هيلاريون كبوجي مطران القدس السابق.
فضلاً عن 160 ممثلاً لـ 81 مدينة تركية أساسية، بالإضافة لنحو 30 نائباً من مختلف أنحاء دول أوروبا، إلى جانب نواب عرب من الجزائر ومصر، وناشطين آخرين ينتمون إلى أكثر من أربعين دولة.
دون أي مبرر أو مسوغ سوى الاستهتار بأرواح الناس وممارسة الاضطهاد بلا حدود ضد كل من يدين الجرائم الصهيونية، في سياق المتوالية إياها من مسلسل جرائم الإرهاب المبرمج، التي دأب عليها كيان «الدولة العبرية الصهيونية»، وتجاوزها الدائم لقواعد القانون الدولي. وفي الجريمة إياها، تضرجت مدارج وممرات السفينة التركية «مرمرة»، بدماء أعضاء فريق أسطول الحرية الذين جاؤوا لأهداف وغايات إنسانية، لمساعدة شعب يخضع لحصار جائر ومخالف لكل الأعراف والقوانين الدولية والإنسانية.
فجاء الرد الفاشي الصهيوني ضد القافلة البحرية، وقيام قوات الاحتلال بعملية الإنزال بالحوامات العسكرية الأميركية الصنع، فوق ظهر السفينة «مرمرة» واستخدام السلاح الناري الفتاك والقنابل اليدوية ضد نشطاء مدنيين من مختلف أنحاء العالم، وقتل البعض منهم واحتجاز الآخرين.
ومع هذا، ومع الخسارة الفادحة التي وقعت بإهدار واستهداف الأرواح البريئة لرسل الحرية والسلام، إلا أن النتائج المباشرة بدأت تلاحق هذه العنجهية والفاشية الصهيونية.
حيث بات من الواضح حدوث تحولات متتالية في مواقف الرأي العام الدولي وكافة مؤسسات المجتمع المدني، ومنها الجهات العامة العاملة في مجالات حقوق الإنسان والناشطة في مختلف أنحاء المعمورة. وترافق ذلك مع ارتفاع وتعالي حدة الصوت الدولي المنادي برفع الحصار الظالم والجائر عن قطاع غزة.
وذلك من قبل المؤسسات الدولية عامة، ومن قبل غالبية دول العالم ذات الحضور والتأثير في صناعة القرار الدولي، ومن قبل الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، الذي خرج عن صمته المعتاد هذه المرة وطالب برفع الحصار عن قطاع غزة، في تصريح إعلامي يحسب له.
وفي هذا الميدان، فإن نجاح تنظيم الحركة الداعمة لنضال الشعب الفلسطيني، ومنها أسطول الحرية، أظهر فعل وتأثير نشطاء الحركات السلمية والديمقراطية ومؤسسات المجتمع المدني وقوى السلام في العالم.
فالعدوان الإسرائيلي الصهيوني والإنزال العسكري الجوي على قافلة أسطول الحرية، استهدف أساساً الفكرة التي وحدت عمل ونضال أحرار العالم المنغرسين في مؤسسات المجتمع المدني عبر بلدان المعمورة، ضد إسرائيل وحصارها الظالم للشعب الفلسطيني في قطاع غزة وعموم الأرض الفلسطينية المحتلة.
فقد توسعت حملات التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني بشكل غير مسبوق، وانتقلت من العمل الإعلامي والدعائي في شوارع لندن وباريس وغيرهما من مدن العالم، في اتجاه تحقيق أعمال ملموسة لصالح دعم نضال وكفاح الشعب الفلسطيني، عبر ابتداع أشكال جديدة من التضامن الفعلي مع الشعب الفلسطيني، كان من بينها تلك القوافل من أساطيل «شريان الحياة» التي قادها النائب البريطاني جورج غالاوي، إلى أسطول الحرية الأخير.
فولادة هذه الحركة المدنية العالمية الداعمة للشعب الفلسطيني، والتي بدأت منذ فترات زمنية بتأطير عملها وجهودها، باتت تقض مضاجع أصحاب القرار في إسرائيل التي بدأت تتخوف من اتساع هذه الحركة وفعلها اللاحق، وتخشى من تأثيراتها المتوقعة داخل بلدانها في سياق التردي الواضح في صورة إسرائيل أمام العالم بأسره، خصوصاً بعد الحرب العدوانية المجنونة التي شنت على الشعب الفلسطيني الأعزل في قطاع غزة قبل عام ونصف العام.
إن مرحلة ما بعد الاعتداء على أسطول الحرية، يجب أن تثمر في اتجاه توليد ائتلاف دولي وحركة عالمية ضاغطة، من أجل السلام الحقيقي في الشرق الأوسط، السلام الذي يوقف تهويد الأرض، ويوقف الحصار الظالم، ويعيد الحقوق لأصحابها الشرعيين.
إن صرخات شعوب العالم ضد ما حدث لأسطول الحرية، لا بد وأن تجدي في نهاية المطاف، وأن تعطي نتائجها بكسر وإقصاء وإنهاء سياسات اللا توازن التي تنتهجها الإدارة الأميركية في إدارة وحل الأزمات في العالم، وتحديداً في فلسطين، حيث تغمض الولايات المتحدة أعينها عن ما يجري هناك من عدوان وعمليات قمع وإرهاب الدولة الصهيونية وإبادة شعب كامل ما زال تحت الاحتلال.
وأكثر من هذا، فإن الدفاع عن مستقبل السلام العالمي، يفترض بالضرورة تعزيز حركة السلم الديمقراطي وحركة شعوب الأرض في الدفاع عن مصالحها، وإعادة إرساء السياسات الدولية على قاعدة من التوازن الذي يحفظ المصالح المشتركة للجميع، ويعيد للمؤسسات الدولية دورها المرتجى منها وفقاً لمبادئ تأسيسها.
إن تحرك مجموعات الائتلاف الدولي وإسنادها لحركة التحرر الوطني للشعب الفلسطيني، يقوي بالضرورة عزيمة الشعب الفلسطيني ويشحنه بشحنة الأمل الواعد. فشعب فلسطين المحاصر ينظر لحركة شعوب العالم باعتبارها الرافعة التاريخية التي تدفع الأمور نحو الأمام، ومن أجل السلام في الشرق الأوسط، وفي فلسطين حيث ولد نور السلام وانطلق على يد رسول المحبة، الفلسطيني الأول المسيح عليه السلام.
كاتب فلسطيني ـ دمشق