قبل أسبوعين ومن منبر الأمم المتحدة، أطلق سعد الحريري رئيس الحكومة اللبنانية مبادرة «الحوار بين الثقافات من أجل السلام والأمن الدوليين»، مؤكدا على أن الحوار قد لا يفلح دائما في إطفاء الحرائق، لكنه إذا مورس بمهنية وفاعلية قد يقلل منها.
وفي نفس الوقت تساءل رئيس الحكومة اللبنانية: «كيف يمكن للحوار أن يبني الثقة ويؤسس لعلاقات جديدة، في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والعربية والانتهاك المتمادي لحقوق الفلسطينيين الوطنية والإنسانية، وعلى رأسها دولة مستقلة عاصمتها القدس؟».
وأكد الرئيس الحريري في مداخلته أن الحوار لا يستقيم إذا ما احتجبت غاياته الفعلية وراء أهدافه المعلنة... ثم إن استمرار السيطرة والقهر والتعسف، وعدم وضعه تحت السؤال الأخلاقي، يضع الحوار نفسه تحت السؤال.
ما حذر منه سعد الحريري أكده الكيان الصهيوني المتغطرس الذي قام باغتيال الحرية في المياه الإقليمية الدولية، عندما تصدى إلى قافلة الحرية المتوجهة إلى غزة بالأدوية والأغذية وضروريات الحياة، لا غير.
وما يمارس ضد الشعب الفلسطيني وضد الدين الإسلامي وضد العرب، يتنافى مع كل القوانين والأعراف الدولية، ويضرب عرض الحائط بأبدية وأدبيات ومبادئ الحوار والتواصل من أجل السلام والأمن الدوليين.
فالحوار له شروطه ومستلزماته للنجاح وتحقيق الأهداف المرجوة منه، وإذا غابت شروط الحوار فلا طائل من ورائه. وهذا ما نلاحظه في أحيان عديدة، عندما يكون أحد طرفي الحوار غير مهتم وغير مكترث بمخرجات الحوار. فنلاحظ الغطرسة والتعالي والكبرياء واحتقار الآخر والتقليل من قيمته ...الخ.
من جهة أخرى نلاحظ أن بعض وسائل الإعلام يساهم في نشر صور وإدراكات وأفكار تتنافى جملة وتفصيلا مع مبادئ الحوار الأساسية. فالصور النمطية والتشويه والتضليل والحرب النفسية والدعاية المغرضة، تؤدي كلها إلى انطلاقة خاطئة للحوار وإلى فشله في النهاية.
لا بد من أن تسود روح العدالة واحترام القانون الدولي، لكي يقوم حوار حقيقي تتطلع إليه الشعوب والدول والأمم المحبة للسلام والأمن والاستقرار والطمأنينة والرفاهية.
لكننا، مع الأسف الشديد، نرى الأرقام الفلكية التي أنفقت السنة الماضية على السلاح في جميع أنحاء المعمورة. أرقام تقدر بالتريليونات من الدولارات، كان من الأجدر أن تنفق على توفير الغذاء والدواء لملايين البشر الذين يموتون جوعا. فالبحث عن السلام والأمن، يجب أن ينطلق من مبدأ نبذ العنف والتطرف والغطرسة والجريمة والإرهاب والحروب والاعتداء على سيادة الآخرين. كما يعني بالدرجة الأولى احترام الأعراف والقوانين الدولية وحقوق الإنسان.
وبالرغم من أن الإسلام هو الديانة الأكثر انتشارا في أمريكا وأوروبا، إلا أن المسلمين مقصرون كثيرا في الرد على الصور النمطية وعمليات التشويه والتضليل، الموجهة ضد الدين الحنيف من جميع الأطراف والجهات، حيث أصبح الإسلام يُستعمل كمرادف للإرهاب والجرائم والأعمال الوحشية والعنصرية والجهل والتخلف والتعصب.
وفي إحدى محاضراته عن الإسلام والإعلام، دعا أستاذ الديانات المقارنة «زكير ناييك» المسلمين للتعامل بصفة علمية ورشيدة مع وسائل الإعلام، وطالبهم باستغلال واستعمال هذه الوسائل للرد على الحملات الدعائية الموجهة للتضليل والتشويه والنيل من الإسلام.
وأكد العالم الهندي على ضعف المسلمين في تسويق الصورة الحقيقية لدينهم وشرحه وتفسيره وتقديمه للآخرين بطريقة سلسة وواضحة ومفهومة.
وقد أفرزت أحداث 11 سبتمبر 2001 إرهابا فكريا تتفنن الآلة الإعلامية الغربية في ممارسته، حيث أصبحت كلمة الإسلام مرتبطة بالإرهاب، وأصبحت وسائل الإعلام تفتعل وتصنع صورا نمطية وأنسجة فكرية ومعتقدات، تجعل من المسلم عدوا للإنسانية وللأخلاق وللقيم السامية. فوسائل الإعلام تحدد بدرجة كبيرة رؤية الإنسان وتصوره للآخرين، وفق ما تقدمه له من صور وأفكار عنهم، وما يقال عن الأفراد يقال عن الدول والمجتمعات.
وهذه الصور والمنتجات الإعلامية المختلفة، هي التي تحدد سلوكنا وتصرفاتنا تجاه الآخرين، إما بالقبول والاستلطاف والمعاملة الجيدة، وإما الرفض والإقصاء والكراهية. وفي كثير من الأحيان لا يستطيع الفرد أن يصمد أمام ما يُقدم له، خاصة إذا تعلق الأمر بالأشياء والقضايا التي تخرج عن اختصاصه ومعارفه.
وتشير نتائج دراسات عديدة إلى وجود علاقة ارتباطيه إيجابية بين الصور الذهنية والنمطية حول الدول، وتأثيراتها في العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية بينها. فكلما ابتعدت الصور عن الواقع وارتبطت بالدعاية والتشويه والتضليل، كلما ساءت العلاقات بين البلدين.
فالصور تؤثر في الرأي العام الذي يؤثر بدوره في صناعة القرار وتحديد السياسة الخارجية نحو هذا البلد أو ذاك.
وأغلب الظن أن الدولة التي تصوّر بطريقة سلبية وتعرض بصور نمطية وأفكار مضللة متحيزة، ستجني رأيا عاما سلبيا، وبذلك ستكون في آخر قائمة الدول الصديقة، وقد تكون في أول قائمة الأعداء الذين تطبق عليهم سياسات التهميش والاحتواء والحصار.
هكذا كان الوضع بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي في عهد الحرب الباردة، حيث كانت وسائل الإعلام الأمريكية تبدع في نشر سلبيات ومساوئ النظام الشيوعي، ومن جهتها كانت وسائل إعلام الاتحاد السوفييتي تتفنن في عرض المظاهر السلبية في المجتمع الأمريكي.
وأكدت الدراسات التي عالجت موضوع صورة الإسلام والعرب في وسائل الإعلام الغربية، أن وسائل الإعلام تلك، وخاصة الأمريكية، من صحافة وإذاعة وتلفزيون وسينما وحتى الكتب الدراسية، ترسم صورة مشوّهة وسلبية وغير صحيحة عن الإسلام. وهذه الصور النمطية تكون في معظم الأحيان نتيجة لأفكار مسبقة، ولجهل وتجاهل لتاريخ المسلمين وحضارتهم وثقافتهم، وأخيرا نتيجة للصراع الحضاري بين الغرب والإسلام.
عميد كلية الاتصال، جامعة الشارقة