حين كتب المؤرِّخ كمال الصليبي كتابه الشهير عن تاريخ لبنان (بيت بمنازل كثيرة)، كان على حق في توصيف الواقع الذي يمكن تطبيقه حتى يومنا هذا، فالمجتمع اللبناني (بيت بمنازل كثيرة)، فئة نسبتها قليلة جداً وتراوح بين الواحد في المئة والأربعة في المئة، منهمكة، اجتماعياً، بالمآدب والولائم والمناسبات، هذه الفئة تدور حول نفسها وتنتقل من مناسبة إلى أخرى، أما المحصِّلة فمزيدٌ من توثيق العلاقات الإجتماعية.
هذه الفئة لا هم معيشياً عندها، إذا صح التعبير، فالكهرباء ليست هاجساً والبنزين ليس مشكلةً، والحاضر ليس مزعجاً والمستقبل ليس لغزاً، هذه الفئة متوافرة لها كل المستلزمات لذلك فإنها لا تشعر بالقلق.
في مقابل هذه الفئة، القليلة جداً ولكن المؤثرة، هناك فئة العامة أي الناس العاديون، وهؤلاء هم الذين يحددون مؤشرات البلد.
الناس منشغلون بغير انشغالات فئة الأربع في المئة:
همُّهم كيف يُمضون الصيف بالإستقرار المطلوب وخدمات الحد الأدنى، يعنيهم كثيراً أن يستقبلوا أصدقاءهم وأحباءهم من المغتربين وأن يمضوا معهم أيام عطلاتهم.
همهم أن يوفروا الكهرباء لمنازلهم من دون أن تُرهقهم فواتير مؤسسة كهرباء لبنان ومولِّدات الأَحياء، في آن واحد.
كما ان من همومهم المزمنة التفكير في مدارس أولادهم وجامعاتهم، ومعاناة هؤلاء انه في خريف كل عام تعود مشكلة الأقساط التي تزداد صعوداً، وفي الخريف نفسه من كل عام يستعد كثيرٌ من الخريجين إلى مغادرة لبنان بعد أن تكون أبواب فرص العمل قد أُوصِدَت في وجوههم.
إنه فعلاً (بيت بمنازل كثيرة):
فئةٌ لا تعرف معنى المعاناة، وفئة ترافقها المعاناة في يومياتها، ودائماً يُطرَح سؤال أساسي: هل يمكن تصحيح شيء في هذا البلد؟
لو لم تكن هناك نفحة تفاؤلية لكان كل شيء لا يُطاق، صحيح ان بعض المسؤولين عندنا يعملون على ترجمة التفاؤل إلى خطوات ملموسة لكن الصحيح أيضاً ان تحقيق التفاؤل في ظل التصعيد السياسي أمرٌ أكثر صعوبة، ولعل المفارقة التي يعيشها البلد هي ان الفئة التي نسبتها قليلة جداً والتي لا تعاني من أي شيء، هي الفئة التي تمارس التصعيد، فتكون الحصيلة على الشكل التالي:
أقلية تستطيع أن توفر لنفسها كل الخدمات والمنافع، ولكن بسبب التصعيد الذي تمارسه فإن تحجب هذه الخدمات عن الناس أو تجعلهم يضاعفون معاناتهم للحصول على هذه الخدمات! إذاً ما المطلوب؟
بكل بساطة المطلوب انتفاضة من الناس على المزايدين السياسيين الذين لا عمل لهم سوى المزايدة وإبقاء البلد متوتراً تحقيقاً لحاجاتهم السياسية لا أكثر ولا أقل.
