أثارت الأحداث التي ارتبطت بقافلة الحرية، الكثير من العواطف الوطنية، وبشكل خاص في عالمنا العربي الذي يفضل دائما موقع المُستقبل، بعيدا عن التدخل في تسيير الأحداث والقدرة على توجيهها بشكل مستهدف ومقصود.
ففي تركيا تصاعدت حدة المشاعر الوطنية التي ارتبطت بالكرامة، في مواجهة العدوان الإسرائيلي، وهو الحال نفسه في الكثير من الدول العربية التي اشتركت في قافلة الحرية أو تلك التي لم تشترك.
لكن الحال اختلف في تركيا الدولة ذات المؤسسات والقوة السياسية، المختلفة في ذلك عن الدول العربية التي تفتقد تلك المؤسسات وتذوب فيها الجماهير لصالح هيمنة الدولة. فتركيا تحركت كدولة وشعب، بينما تحرك العالم العربي ككتلة جماهيرية تجرفها مشاعر وطنية صاخبة وهوجاء.
من الطبيعي أن تشتعل المشاعر الوطنية في مثل هذه الأحداث الدامية، خصوصا في ظل الهمجية الصهيونية التي لم تترك شيئا في عالمنا العربي إلا وأصابته بسلاح الغدر والعدوان والهمجية. لكن من غير الطبيعي أن تُترك المشاعر الوطنية منفلتة وغير مؤطرة بفعل سياسي حقيقي.
فالواقع أن المشاعر الوطنية في عالمنا العربي، هي مشاعر يتم التعبير عنها عبر بعض الحشود والتظاهرات التي تغض الدولة الطرف عنها، ركوبا لموجة الوطنية من ناحية، وعملا بمبدأ تفريغ شحنات المواطنين من ناحية أخرى. فالدول العربية تقوم عبر إعلامها بتفريغ قدرات مواطنيها، من خلال إثارة العواطف والشجون ودفعهم نحو الوجهة التي تبتغيها والأهداف التي ترجوها.
وفي ظل ضعف الدولة في العالم العربي، فإنها تستفيد من المناسبات التي تستطيع من خلالها تجييش الشعوب وحشدها وراء خطاب لا يستطيع أحد النيل منه أو التعريض به، وهو الخطاب الوطني وما يرتبط به من كلمات مشحونة، ترتبط بكرامة الأمة وشجاعة الشعوب ونخوتها والعديد من التوصيفات التي تبرع فيها الدول والشعوب العربية.
وتحدث تلك الحالة الوطنية في ظل وضعية الضعف والتراجع التي تواجهها معظم الدول العربية، وهي مسألة تعرفها الشعوب تماما وتدركها وتعايشها من خلال الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة. وفي ضوء ذلك تحدث حالة هستيريا لدى الشعوب العربية، تنطلق في مناسبات عديدة أبرزها ما يتعلق بالموقف من حصار غزة والأحداث الكروية.
فالشعوب العربية تعيش إحساسا مريعا بالهزيمة، وهي مسألة تعمقها إسرائيل يوما بعد يوم، مخلفة مساحات واسعة من العداء بينها وبين النظم الحاكمة. من هنا فإن الشعوب تقوم عبر أي مناسبة تجدها مجالا للإثارة، بالانطلاق إلى الشوارع العربية من أجل التنديد بأي شيء، والتعبير عن الانتماء لمساحة جغرافية ما.
وحينما تعم مثل هذه السلوكيات تصبح الوطنية حالة أيديولوجية أقرب للسلوك الغوغائي، بعيدا عن أي مواضعات عقلانية وحاضر مُبشر وحلول مستقبلية ممكنة.
ورغم أن المشاعر الوطنية تنطوي على مساحة كبيرة من الأيديولوجيا والدعاية، فإنها تنطوي أيضاً على جوانب سياسية تتعلق بالممارسات الفردية والتنظيمية والحزبية على السواء، وهو جانب مُهمل في الثقافة العربية، وبشكل خاص بعد ظهور دولة ما بعد الاستقرار منذ ما يزيد على نصف قرن من الزمان.
فالدولة في العالم العربي استفادت من الأيديولوجي على حساب السياسي، فمنحت الأول مجالا واسعا للتعبير، بينما قمعت الثاني ووأدت معظم الممارسات المرتبطة به. وهو ما يفسر سر المظاهرات التي تندلع في الكثير من العواصم العربية ضد الممارسات الإسرائيلية، أو تلك التي تندلع في أعقاب أي مكسب كروي هنا أو هناك.
واللافت للنظر أن الجهة الوحيدة التي استفادت من السماح الأيديولوجي من قبل الدولة، هي التيارات الإسلامية، على العكس من معظم التيارات الأيديولوجية الأخرى، بما فيها تلك الملازمة لمشروع الدولة الهزيل في العالم العربي.
فالتيار الإسلامي استطاع أن يمزج بين الأيديولوجيا والممارسة، وإن كانت هذه الممارسة جاءت في معظم الأحوال بعيدة عن رغبة الدولة وإرادتها، لكنه استطاع، وربما بسبب تلك المراقبة اللصيقة من قبل الدولة، أن يخلق سياقا واسعا وقبولا شعبيا في العالم العربي الأقرب للتدين والقبول بالجوانب الروحية.
وعلى ما يبدو أن الممارسات الوطنية في العالم العربي، سوف تستمر محمولة بالأيديولوجيا لفترات طويلة من الزمن، طالما تقمع الدولة كافة المنافذ الشرعية التي يمكن من خلالها تحويل الوطنية من مشروع أيديولوجي إلى مشروع سياسي حقيقي، يعبر عن القوى الوطنية المختلفة.
وفي ضوء مصادرة الدولة في العالم العربي لحقوق العديد من القوى السياسية المتعارضة معها، وعلى رأسها التيار الديني، فإنها سوف تقوم دائما وأبدا بتحويل الوطنية إلى مظاهرات وإعلام وتهليل، بعيدا عن تحويلها لفعل جمعي حقيقي وموجة على غرار النموذج التركي.
كاتب مصري
salehabdelazim@hotmail.com