هل تشتعل حرب بين تركيا وإسرائيل؟ هذا ليس سؤالا تنظيريا.. فهو لا ينطلق من فراغ.. إنه من نوع الأسئلة المحورية التي أفرزتها حادثة «قافلة الحرية» وتداعياتها الخطيرة المتفاعلة على نحو يومي..

تلك التداعيات التي باتت تنذر ببزوغ شرق أوسط جديد، تنتقل فيه القضية الفلسطينية من دائرة صراع إسرائيلي ـ عربي، إلى دائرة صراع إسرائيلي ـ إسلامي يطغى عليه دور تركي قوي. ليس هذا فحسب، بل إنه مع مرور الأيام سيكون لهذا الصراع بعد شعبي عالمي.

سفن قافلة الحرية التي كانت متجهة صوب ساحل قطاع غزة، كانت تتقدمها سفينة تركية غالبية ركابها مواطنون أتراك متطوعون، ينتمون إلى منظمات خيرية إنسانية. لذا فإن الهجمة الدموية الإسرائيلية التي استهدفت «مرمرة»، أسفرت عن مصرع تسعة أتراك وسقوط عدد من الجرحى.

وفي حمأة الغضب الشعبي العارم الذي انتظم الشعب التركي بكافة فئاته وقطاعاتها، انبرى رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان متوعدا إسرائيل وقادتها بالويل والثبور وعظائم الأمور. ومن خلال هذا التوعد، أعلن أردوغان على شعبه وعلى العالم أن تركيا تعد العدة لإرسال «قافلة حرية» ثانية وثالثة، لتتوجه صوب ساحل غزة محملة بالمساعدات الإنسانية.

هذا التوعد في حد ذاته خطير. لكن الأشد خطرا من ذلك أن الزعيم التركي توعد أيضا بأنه ستكون هناك قطع من الأسطول الحربي التركي لمرافقة سفن «الحرية ؟»، بغرض حمايتها من القوات البحرية الإسرائيلية.

والسؤال الذي يطرح هنا هو: هل يقع صدام قتالي بين قوات بحرية تركية وقوات بحرية إسرائيلية قد يتطور إلى مستوى حرب شاملة؟

سواء وقع الصدام أم لم يقع، فإن ما أصبح في حكم المؤكد الآن هو بروز تركيا جديدة، تتقدم العالم العربي والإسلامي في مواجهة حاسمة متعددة الجوانب ضد إسرائيل. ولكن بينما سوف يؤدي هذا العهد الشرق أوسطي الجديد إلى تصعيد الفوران الشعبي في الدول العربية، فإنه لن يكون للنظام العربي الرسمي دور في المعادلة.

هنا نجد أنفسنا أمام سؤال ثان: هل أردوغان «عبد الناصر» جديد يتبنى استراتيجية أيديولوجية بعيدة المدى وذات ثوابت؟ أم أنه مجرد سياسي محترف يمكن أن يتغير من حال إلى حال وفقا لمصالح حزبية أو طموحات شخصية؟

فلنستذكر أولا أن أردوغان ليس حاكما دكتاتوريا على رأس نظام استبدادي مفروض فرضا على الشعب، كما هو حال غالبية أنظمة الحكم في العالم العربي. إنه ينتمي إلى حزب في إطار نظام ديمقراطي تعددي. و«حزب العدالة والتنمية» بجذوره الإسلامية، يمثل التيار الشعبي الغالب الذي يتوق إلى إعادة بعث الهوية الإسلامية الأصلية لتركيا. لذا فإن «العدالة والتنمية» اكتسح الانتخابات العامة مرتين.

الرؤى الأيديولوجية التي يتبناها الحزب بقيادة أردوغان، بنيت على هذا الأساس. ولاستثمار هذا التحرك الشعبي الإسلامي الطابع الذي انتظم المجتمع التركي بأسره، فإن حزب العدالة والتنمية يتطلع إلى إعادة بعث الأمة الإسلامية، ليتحول العالم الإسلامي إلى كتلة دولية موحدة في عالم متعدد الأقطاب.

مثل هذا التوجه الأيديولوجي الجيو سياسي، سوف يقود تركيا بالطبع إلى مواجهة مع الولايات المتحدة وبالامتداد مع إسرائيل.. القلعة المتقدمة للقوة الأميركية العظمى في العالم العربي والإسلامي.

بالطبع، يدرك أردوغان وحزبه هذه الحقيقة الحتمية، لكنه يدرك أيضا أن لدى تركيا من أسباب القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية، ما يؤهلها لدورها التاريخي الجديد.

الإقدام التركي على تحدي إسرائيل ليس، إذن، مجرد تصرف ظرفي عابر. إنه تصرف ينبع من قلب الأجندة الاستراتيجية التركية للحاضر والمستقبل. وفي هذا يقول أردوغان: «مصير القدس مرتبط بمصير إسطنبول.. ومصير غزة مرتبط بمصير أنقرة».

لذا يمكن القول إن الاشتباك التركي مع إسرائيل على نحو ما نرى حاليا، ليس سوى مقدمة لاشتباك تركي مع الولايات المتحدة.. بل ومع الحركة الصهيونية العالمية المتمركزة في أميركا.

مثل هذا الوضع ينبغي نظريا أن يكون مصدر ارتياح ورضى للأنظمة العربية الحاكمة، بما في ذلك قيادة السلطة الفلسطينية. لكن العكس هو الصحيح على صعيد الواقع المرئي، فغالبية الأنظمة العربية تستشعر قلقا عميقا تجاه المواجهة الحتمية بين تركيا والولايات المتحدة، لأن مثل هذه المواجهة من شأنها أن تسبب حرجا لهذه الأنظمة، من حيث إنها مرتبطة بعلاقة تحالفية مع واشنطن.

وعلى الأفق القريب سيكون الوضع الشرق أوسطي كما يلي: كلما صعدت تركيا من المواجهة ضد كل من إسرائيل والولايات المتحدة، تصاعدت حالة التوتر في المنطقة. وكلما تصاعدت حالة التوتر، تضاعفت حدة الفوران الشعبي في البلدان العربية. وكلما تضاعف هذا الفوران، ازداد وضع الأنظمة العربية ـ أو بعضها ـ حرجا.

في هذا السياق تبرز مؤشرات ذات دلالة:

أولا؛ أن تركيا صارت في موقف من القوة يجعلها تملي شروطا على إسرائيل. من ذلك مثلا مطالبة البرلمان التركي للحكومة الإسرائيلية بأن تقدم اعتذارا رسميا عن مقتل شهداء قافلة الحرية، وأن تعقد محاكمة للقادة الإسرائيليين المسؤولين عن الهجوم الدموي.. وألا تطبيع تركيا مع إسرائيل قبل رفع الحصار عن قطاع غزة.

ثانيا؛ انتشار ظاهرة رفع الأعلام التركية في مظاهرات العالم العربي.

ثالثا؛ تواتر المظاهرات ضد إسرائيل في العواصم الغربية، بترتيب من منظمات وحركات غربية.وإذا كانت هذه التطورات مثيرة، فإننا أصبحنا موعودين كما يبدو بما هو أشد إثارة في الأيام المقبلة.

كاتب صحافي سوداني

hisham200775@yahoo.com