قبل أيام مرت علينا ذكرى أليمة، وهي نكسة العام ,1967. مرت ونحن منشغلون بأثر من آثارها، وهو حصار قطاع غزة ومحاولة دعاة السلام والمتعاطفين مع القضية الفلسطينية فك هذا الحصار الجائر. وقد سمى العرب هزيمة العام 1967 «نكسة»، في حين سموا ضياع فلسطين ب«النكبة».
والحق أن حرب الأيام الستة التي بدأت في الخامس من يونيو/ حزيران، كانت نتائجها مدمرة، فإسرائيل لم تحتل كامل فلسطين وحسب، بل أضافت لها كل سيناء وهضبة الجولان أيضاً.
ولم يكسر جمود الوضع ويعيد الأمل إلى النفوس، إلا قيام المقاومة الفلسطينية المسلحة وحركة الفدائيين، وبدأ حرب الاستنزاف، ثم حرب أكتوبر في العام 1973. ثم دخلت القضية الفلسطينية في دهاليز صعبة عبر عقود أربعة، لينتهي بها المطاف على ما هي عليه الآن من انقسام في البيت الواحد.
وقبل عدة أيام، قبل الخامس من يونيو الكئيب، كنت أجيل ناظري على كتبي المرصوفة في مكتبتي الخاصة، فاستللت واحدا منها، وهو كتاب عزيز على نفسي اشتريته مذ كنت طالباً جامعياً، ومن شديد حرصي عليه أنني قمت بتجليده!
ولا أخال أحداً من طلبتي هذه الأيام يحرص حتى على اقتناء الكتب المقررة، ناهيك عن تلك التي لا تدخل في اختصاصه! ولمدة طويلة، ظللت أراجع هذا الكتاب، بين الفينة والأخرى، فأقرأ منه ما أريد، أو أبحث عن بعض الإجابات التي تواجهني، دون أن أقرأه من الغلاف إلى الغلاف.
ثم لما فرغت من قراءة كتاب «السياسة» لأرسطو طاليس، الذي ترجمه أستاذ الجيل أحمد لطفي السيد في العام 1947 ليكون دعامة فكرية للنهضة العربية التي كان السيد أحد روادها، أردت أن أعرف موجزاً لآراء أرسطو، فكان ذاك المُّؤَلف الأثير على نفسي.
وهو «تطور الفكر السياسي» لجورج سباين، ترجمة حسن جلال العروسي، وهو كتاب شامل وترجمة رائعة، ظهرت قبل أكثر من نصف قرن، ولاقت رواجاً منقطع النظير لدرجة أنها نفدت سريعاً (لا حظوا قبل نصف قرن كيف كان الإقبال على الكتب الدسمة)، فأعيدت طباعة الكتاب بعد سنة واحدة فقط!
وما لفت نظري للمرة الأولى، رغم أنني قد اطلعت على صفحات عديدة من جزئي الكتاب، هو ذانك التصديران الرائعان للعمل اللذان وضعهما اثنان من أساطين الفقه الدستوري في البلاد العربية، وهما الدكتوران عبد الرزاق السنهوري، وعثمان خليل عثمان، وكلاهما أفضالهما على الكويت لا تنكر، فالسنهوري قد وضع تشريعات الكويت الأساسية قبل استقلالها.
حينما استقدمه الشيخ عبدالله السالم الصباح، بطلب خاص من الرئيس جمال عبد الناصر، الذي سمح له للمرة الأولى والأخيرة بالخروج من مصر، أما عثمان خليل عثمان، فقد كان الخبير الدستوري لمجلس الأمة في حقبة الستينات والسبعينات، وقد ساهم مساهمة فاعلة في صياغة دستور العام 1962.
وما لفت نظري أيضاً أن اسم السنهوري جاء مشفوعاً ب«رئيس مجلس الدولة سابقاً»، وجاء تصديره مؤرخاً ب«القاهرة في يناير سنة 1954»، مما يعني أنه حينما كتب ذلك التصدير كان قد حصل الفراق بينه وبين ثورة 23 يوليو.
ولذلك، جاء التصدير واضحاً في دعوته «والبلد (يقصد مصر) في سبيله إلى وضع دستور جديد» وهو «في حاجة إلى أن يتعلم شيئاً جديداً يقيم على أساسه دستوره الجديد. وفلسفة الإغريق السياسية ـ على ما بيننا وبينها من زمن (يكتب السنهوري مستدركاً) ـ جديرة بأن تعلمنا هذا الشيء الجديد، فهي تعلمنا مبدأ سيادة القانون.
وهل يوجد مبدأ أجل وأنبل من مبدأ سيادة القانون، نراه يطالعنا من ثنايا الفلسفة الإغريقية، منقوشاً في كل صفحة من صفحاتها، وهو العصارة من تجارب أفلاطون، والصميم في فلسفة أرسطو».
ثم ها هو هذا الفقيه العظيم يلخص لنا بجمل قليلة كل فلسفة أفلاطون وتلميذه أرسطو، فالأول آمن في ريعان شبابه في «جمهوريته» بحكومة الفلاسفة، و«كان يرى من الحماقة أن تُغَّل يد الحاكم الفيلسوف بأحكام القانون. ثم ليأتي في كتابه الآخر «السياسة» ليتخذ موقفاً وسطاً، بعد أن علمته الأيام والخبرة والتجربة المرة، ولينتهي به المقام إلى دعوة أتباعه بألا يخضعوا إلا للقانون».
أما أرسطو فيوجزه لنا السنهوري بقوله إنه كان يرى «القانون، العقل مجرداً عن الهوى»، وكان يسفه فكرة «المستبد العادل»، فأين من حكومة القانون حكومة المستبد العادل؟ وهل يجتمع الاستبداد والعدل؟! فالحكم الصالح، هكذا يجمل السنهوري في تصديره ذي المعاني والإسقاطات التي لا تخطئها أي فطنة القول، لا تتلمسه فلسفة الإغريق في الحكم المطلق للفيلسوف، ولكن تنشده في مبدأ سيادة القانون.
وإنني أتساءل ونحن نتجرع مرارة «النكسة»، ألم يكن غياب هذا المبدأ العظيم وهو «سيادة القانون»، أحد الأسباب الرئيسية لتلك النكسة التي قصمت ظهورنا؟ وأليس هو المبدأ الذي تبنى عليه نهضة الأمم؟!
كاتب وأكاديمي كويتي
alyusefi@hotmail.com