حقق أسطول الحرية نجاحاً كاسحاً، رغم عدم وصوله إلى غزة. وهو النجاح الذي كشف عن تحولات مهمة تجري في العالم.
فالهدف الرئيسي للأسطول، لم يكن مجرد توصيل المساعدات الإنسانية إلى المحاصرين، وإنما كسر الحصار أصلا. ومن هنا، فإن جريمة اعتداء إسرائيل على المدنيين في المياه الدولية، كانت في ذاتها خدمة جليلة لأهداف الأسطول، لأنها أدت لتسليط الأضواء على الجريمة الأصلية، أي الحصار. فاليوم لا يدين العالم فقط اعتداء إسرائيل على الأسطول، وإنما يرفض جريمة الحصار نفسها.
والأمر لم يقتصر على مظاهرات اجتاحت العالم، من كراكاس لبرلين ومن لوكسمبورغ لأمستردام، ولكنه طال المواقف الحكومية أيضا، من نيكاراغوا لبريطانيا ومن النرويج لليونان. حتى الولايات المتحدة التي عزلت نفسها باتخاذها موقف الداعم للإجرام الإسرائيلي، اضطرت اضطراراً للحديث عن الوضع «غير المقبول» في غزة وضرورة تغييره، على حد قول الخارجية الأميركية.
ولعل أهم ما أسفرت عنه مسيرة أسطول الحرية، هو أنها أكدت بوضوح أن الدور الذي يلعبه المجتمع المدني العالمي، صار هو الأمل في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية. فإسرائيل لن تتخلى عن احتلالها للأراضي الفلسطينية، بل وابتلاعها للمتبقي منها، إلا إذا صار هذا الاحتلال يكلفها ثمناً باهظاً.
ونظرا للاختلال الفادح في موازين القوى الإقليمية، ولمّا كانت الحكومات بما فيها الإدارة الأميركية، قد فشلت في الضغط على إسرائيل على نحو يجعلها تدرك أن هناك ثمنا ستدفعه برفضها التخلي عن سياساتها الحالية، فإن ضغطا من نوع آخر صار مطلوبا.
وهذا بالضبط هو ما يفعله المجتمع المدني العالمي منذ سنوات، عبر حملات منظمة تسعى لنزع الشرعية عن الاحتلال، والدعوة لمقاطعة إسرائيل وفرض العقوبات عليها، بما يحرج حكومات العالم ويجبرها على اتخاذ مواقف ضد إسرائيل، الأمر الذي يعزل الأخيرة دولياً ويجبرها على تغيير سياساتها.
كل ذلك أسوة بالدور الذي لعبه المجتمع المدني العالمي في إسقاط نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا. وتسليط الأضواء على ما يحدث في غزة، هو آخر حملات الحركة الدولية التي تهدف لمقاطعة إسرائيل ونزع الشرعية عن الاحتلال. وهي الحركة التي، رغم النجاحات التي حققتها مؤخراً، تظل حركة وليدة تحتاج للمثابرة والاستمرار، عبر فترة زمنية طويلة حتى تحقق أهدافها.
والحقيقة أن إسرائيل تدرك جيداً خطورة هذه الحركة، حتى إن مراكز الأبحاث فيها اعتبرتها التهديد الأول لإسرائيل. والمفارقة هنا هي أن إسرائيل اليوم، كما يقول ناعوم تشومسكي، تفعل بالضبط ما فعلته حكومة جنوب إفريقيا العنصرية في الستينات، فهي «حين أدركت أن العالم صار ينظر إليها كدولة خارجة عن القانون، اعتبرت أن مشكلتها مشكلة علاقات عامة» يمكن أن تحلها بحملة دعاية ضخمة تنفق عليها ببذخ.
وفي إطار هذه الحملة، تسعى إسرائيل إلى مواجهة الحركة عبر خطاب علاقات عامة مضاد يتهم من يقاطع إسرائيل أو ينتقدها بأنه «معاد للسامية كاره لإسرائيل ومقوض لحقها أصلا في الوجود»، فضلا عن التبرير المستمر للعدوان الإسرائيلي، عبر مقولة «الدفاع عن النفس» والمنطوية على الكذب الصريح، خصوصاً في ما يتعلق بقتل المدنيين.
أما اتهامات معاداة السامية وتقويض الوجود الإسرائيلي، فلم يكن هناك من هو أكثر بلاغة في الرد عليها من الكاتب الإسرائيلي جدعون ليفي.
فقد كتب مقالا الشهر الماضي قال فيه إن إسرائيل التي تتهم من يستخدمون سلاح المقاطعة ضدها بكل هذه الاتهامات، هي أهم مقاطع في العالم؛ فهي تقاطع وتدعو العالم معها لمقاطعة إيران وحماس. بل لا يوجد ما هو أكثر فجاجة، كما يقول ليفي، من المقاطعة السياسية والاقتصادية والفكرية الشاملة التي تفرضها إسرائيل منذ سنوات على غزة.
أما في ما يتعلق بتبريرات «الدفاع عن النفس»، فالواضح أن الرأي العام العالمي قد تغير، فهو على ما يبدو سئم من لعب إسرائيل دور الضحية، ولم يعد يأبه باتهاماتها التي تطلقها بمناسبة ودون مناسبة. فجريمة الهولوكست، لا يجوز أن تستخدم لتبرير جرائم أخرى أو تمريرها.
وهذا التحول يرجع في جزء كبير منه إلى جرائم إسرائيل نفسها، خصوصا في الأعوام الأربعة الأخيرة منذ حرب لبنان في 2006، مرورا باجتياح غزة في 2009، ووصولاً إلى جريمة أسطول الحرية.. وكلها جرائم ضد الإنسانية، تم نقلها على الهواء مباشرة لكل أرجاء المعمورة.
أما الكذب الصريح في كل مرة، فهو ما لم يعد مقبولا هو الآخر. وحسناً فعلت تركيا بتحقيقها في شهادات أبنائها والتقارير الطبية لمصابيها، التي أكدت أنه قد تم إطلاق النار عليهم من مسافة قصيرة، الأمر الذي يفضح أكاذيب إسرائيل التي تزعم أن جنودها كانوا يدافعون عن أنفسهم بعد أن هوجموا.
ولعل الأهم في اللحظة الراهنة هو التأكيد بالدليل العملي، على أن هناك حدوداً لما يمكن أن تحققه القوة الغاشمة. فالهدف الإسرائيلي من وراء جريمة أسطول الحرية كان، فضلا عن لي ذراع تركيا التي صارت صداعا لإسرائيل، هو ردع كل من تسول له نفسه السعي لفك حصار غزة.
لذا فإن أفضل رد على الجريمة الإسرائيلية، كان إصرار السفينة راشيل كوري على رحلتها التي لم تصل غزة هي الأخرى. فهي رسالة رمزية بالغة القوة، تقول لإسرائيل إن أصحاب الضمائر الحية في العالم لن يتوقفوا عن فضح جرائمها.
كاتبة مصرية
manarmes@yahoo.com