حينما ندعو إلى رقابة الأمن الأخلاقي التي بدورها ترفع من سوية الرقابة الذاتية، فإننا لا ندعو إلى مصادرة عقول الناس وحرية اختيارهم وتعبيرهم، والتقليص من انفتاحهم على العالم ومشاهدة تقنياته الحديثة، ولذلك فإنه لا جدوى من خروج أصوات من هنا وهناك تنادي بترك الناس أحراراً فيما يرون ويتابعون!
إلا أن هذه الأصوات ظاهرها فيه الحق وباطنها يصطدم مع ثوابت أكبر من حرية الأفراد الشخصية، ويصل إلى مكتسبات حضارية وأمان اجتماعي هي ملك لمجتمع متكامل تتكاتف مختلف الجهود لرعايتها وصونها وإعلاء شأنها.
ولعل موضوع السينما وعلاقتها بمنظومة العادات والتقاليد والموروثات الأخلاقية، من الموضوعات الشائكة الحرجة في التناول عند الكثيرين، لما يحمله الخوض في هذه القضية من تصنيفات مسبقة تضع المتكلم فيها في إحدى خانتين أحلاهما مرّ؛ فإما أن يصنف محارباً للعادات والتقاليد وداعياً إلى الانحلال الاجتماعي، وما يستتبع ذلك من دعوات إلى الانفلات من عقال الالتزام الأخلاقي بمنظومة القيم الاجتماعية.
وإما أنه يصنف على النقيض من ذلك في زمرة المتشددين الرافضين للفن السابع والحضارة والتطور، الداعين إلى نبذ دور السينما ومقاطعتها، وما يستتبع ذلك من دعوات إلى الانعزال عن الآخر وعدم الاقتراب من القضايا الاجتماعية الملحة.
ولا شك أن كلا الطريقين مبالغ في الاقتراب من هذه المسألة، فلا يستقيم إغماض العينين عن واقع يفرض وجوده على جيلنا نحن الشباب ومجتمعنا وثقافتنا، شئنا ذلك أم أبينا. غير أننا مع اعترافنا بذلك، نجد لزاماً أن نضع بعض النقاط على الحروف؛ لتتضح قراءة عبارة الإبداع السينمائي كحالة إنسانية، بعيداً عن المبالغة في الإطراء أو المبالغة في العداء.
وما أثار هذه المسألة هو ما يلاحظه الكثيرون ممن يرتادون دور السينما في بلادنا، من تجاوزات تفلت غالباً من مقص الرقيب أو يتم التساهل معها، بحيث تهدد الكثير من قيمنا الاجتماعية أو روادعنا الأخلاقية، وتحيل دور السينما إلى أماكن لغرس القيم الغريبة عن مجتمعنا، المؤثرة في أمنه وتماسكه، أو الداعية إلى بذر السموم الأخلاقية في جيلنا الذي نعوّل عليه الكثير في عملية البناء الحضاري، لأنه دعامة المستقبل الأمين على مكتسبات بحجم الوطن، وإنجازات بحجم أمة.
وبداية لا بد أن نقرر أن السينما أصبحت اليوم واقعاً مفروضاً علينا، وأصبح ارتيادها عند البعض جزءاً من برنامج الحياة، لا مجال للعدول عنه مع أجواء الصيف التي تحتم علينا البقاء في أماكن باردة ومغلقة، بل نقول أكثر من ذلك، إن الأمر لم يعد يتعلق بقاعات السينما التي نذهب إليها باختيارنا، بل أصبحت السينما في عقر دارنا عبر ما هيأته الفضائيات المفتوحة، جالسة في كل البيوت، وملقية بخيرها وشرها على الصغير والكبير على مدار الساعة.
وإذا كانت البيوت لا تسيطر عليها إلا الرقابة الذاتية التي تنمو وتترعرع بالتربية وتفعيل الوازع الأخلاقي والقيمي لدى الناس، فإن دور السينما تحكمها فوق ذلك عيون الرقيب المخلص الحريص على ثقافة أبناء الوطن وقيمه وتمتين أواصر التواصل الاجتماعي، عبر تنحية ما من شأنه تحطيم الروابط الاجتماعية أو غرس الانحلال لدى الشباب.
فأفلام الجريمة المبالغ فيها، والترويج للمخدرات، والتخريب الأخلاقي والمشاهد الإباحية، ليست حرية شخصية أن تمرر على الشباب ويتشربوا أفكارها بمباركة الرقابة وتحت عينها، إذا كانت تهدد مكتسبات تحرص الدولة على ترسيخها عبر أجهزتها الأمنية الساهرة على المجتمع.
وأفلام الانحلال بشتى صوره الموجهة نحو هذا الجيل وهم في طور البناء السلوكي والفكري، ليست أبداً حرية شخصية يملك الشباب زمام القرار فيها، إذا كانت تزرع في المجتمع بذور التفكك، وتهدد مكتسبات أفرزتها هويتنا وثقافتنا وعاداتنا وتقاليدنا وديننا قبل ذلك وبعده، لتكون صمام أمان اجتماعي يرسخ الحرية للجميع في أمان للجميع.
ومما يزيد الأمر مرارة في عالم الفن السابع الراصد لثقافتنا المحلية والمنافح عن إرثنا الوطني، ما يبدر بين الحين والآخر من صناع السينما المحلية من أبناء الوطن، من محاولات أقل ما يمكن ان يقال عنها أنها مخجلة، ولا ترقى لأن تقدم الصورة الحقيقية لعاداتنا وتقاليدنا التي نفخر بها، بل إنها تمارس أحياناً نقل انطباع مشوه وبعيد عن واقع ثقافتنا المحلية التي تربينا عليها وتشربناها كابراً عن كابر.
وإذا كانت الرقابة الذاتية التي تفرزها التربية في البيت والمدرسة، منوطاً بها الجزء الأكبر من مهمة محاصرة مثل هذه التجاوزات، والسعي لتقوية جهاز المناعة ضد الملوثات الفكرية والأخلاقية والسلوكية، فإن دوائر وأجهزة الرقابة الإعلامية الخاصة بهذا المجال.
تتحمل الجزء الرئيس من هذه المهمة في ضمان وتوفير الاستقرار والأمن الأخلاقي، وصيانة الشباب من سلوكيات قد نجني شوكها مستقبلاً إن تركناها تنمو بين ورود جيل الشباب، وغضضنا الطرف عن تأثيرها اللاحق في بنية المجتمع.
مديرة تحرير مجلة «بنت الخليج»
nooraalswidi@yahoo.com