مازال تعريف أرسطو للدراما أدق وأحكم التعريفات، فهي ببساطة شديدة: فعل تام نبيل له زمن معلوم، بلغة مزينة محكمة، وتؤدي في النهاية إلى التطهير.
فالدراما منذ المسرح اليوناني القديم، حتى اللحظة الراهنة، ليست محاكاة أو نقلاً حرفياً للواقع، وإنما هي إعادة تشكيل هذا الواقع، وتلوينه برؤية المبدع الخلاَقة، بما يؤدي في النهاية إلى التأثير في المتلقي، بشكل ما يساهم في جعله أكثر إنسانية وشفافية ورهافة حس.
وبتطبيق هذه المعايير على مسلسل «أوراق الحب» يجوز لنا أن نتساءل عن الفعل النبيل الذي سعى المسلسل إلى ترسيخه، وكيف يمكن أن يؤدي هذا العمل إلى تطهير نفوس المشاهدين وترسيخ الأفكار والاتجاهات المطلوبة في نفوسهم؟
يقول صنَاع المسلسل: إنه لبنة أو حجر أساس في تأسيس دراما محلية جديدة، وهي مقولة مستفزة تشيع في النفوس الغضب، وتبعث على التساؤل: ما الجديد الذي قدمه المسلسل؟
أعترف أن الدراما الخليجية عموماً والمحلية على وجه الخصوص لم تصل إلى القمة، وأن أمامها أشواطاً طويلة يجب قطعها، وأن الدراما المحلية كثيراً ما لا تعبر عن واقعنا، وأرى أن هذا الاعتراف يجب أن يكون نقطة الانطلاق في مسيرة تأسيس دراما محلية، وأوافق صناع «أوراق الورد»، على أن الغالبية العظمى من أعمالنا الدرامية، مجرد بكائيات أو استنساخ لأفكار مكررة أو كوميديا ساذجة، ولكني لا أستطيع أن أوافقهم فيما يروجون له، من أن عملهم هو فتح الفتوح.
فالعمل في مجمله لم يخل من البكائيات، والتوليفة الرئيسية للحكاية أو للسرد الدرامي، لم تأت بجديد، فقصة الحب بين فتاة من طبقة وشاب من طبقة أخرى، قصة مستهلكة خليجيا وعربيا. ولو عدنا لتاريخنا العربي، لوجدنا واحدة من أكثر هذه القصص خلوداً، ألا وهي: قصة عشق العبد عنترة لابنة عمه عبلة التي تنتمي لأشراف القبيلة.
وهكذا تكون الفكرة التي زعم صناع المسلسل أنها جديدة مبتكرة، نائية كل النأي عن التجديد، ولا تعدو أن تكون مصداقاً لقول شاعرنا المعري: ما أرانا نقول إلا معاداً... وربما يكمن الجديد في الفكرة، في أن البطلة تعيش في لندن، وقد تعرفت على حبيبها هناك، ولما عادت إلى الوطن وجدت أن الدروب مغلقة في وجهها، وفي هذا الأمر مقارنة ? قد تكون غير مقصودة ولكنها على العموم مرفوضة- بين مجتمع يعلي قيمة الحرية والحب، ومجتمع يعيش في إسار الطبقية والتفرقة حسب المستوى الاقتصادي.
أما اللهجة المكسرة المحطمة التي وضعت قسراً على ألسنة أبطال العمل، فلم يتفهمها المشاهد ولم يستطع استساغتها، فهي اعتداء على لهجتنا المحلية المفهومة السلسلة، وتقديري أنها لا تتصل من قريب أو بعيد بلساننا.
كما لا يمكن القول إن الواقعية هي التي اقتضت أن يتطرق العمل إلى وجود الجاليات العربية والأجنبية على أرض الإمارات، لأن الشخصيات التي تطرق لها العمل، كانت مقحمة وبلا أهمية فعلية في سياق الدراما، وهو الأمر الذي دفعني إلى تشبيه العمل بالبيتزا الرخيصة التي تختلط كل مكوناتها بالعجين في مقال الأمس.
كم كنا نتمنى ألا يبالغ صناع العمل في الإشادة به، وكم كنا نتمنى أن يفتحوا عقولهم وصدورهم للنقد، وأن يعترفوا بأن عملهم مجرد محاولة، وأن كل محاولة قد تحقق النجاح أو الفشل... وللحديث صلة.
