انشغل العالم هذا الأسبوع، بالعدوان الصهيوني على أسطول الحرية الذي حاول فك الحصار غير المبرر والجائر على غزّة. ولكن هذا الحدث أثار فيّ كثيراً من الشجون والأفكار والأوجاع. فقد أظهر الحدث كيف أن العرب يصرون على أن يستمروا خارج التاريخ، وكيف ارتاحوا لوضعية المفعول به وليس الفاعل.

فمن البداية، جاءت المبادرة من خارج المنطقة العربية، من خلال دولة مثل تركيا كانت حتى وقت قريب من أقوى حلفاء الكيان الصهيوني، ورأس الرمح في مشروعات الشرق أوسطية وحلف بغداد وغيرها من المشروعات المجهضة للتطلعات العروبية الساعية للوحدة.

وأغلب الناشطين المشاركين في تسيير البواخر، من منظمات مجتمع مدني غربية وشخصيات سياسية غربية. ذلك الغرب الذي تتم شيطنته تماماً بلا استثناءات، وجعل مع تمرير نظرية صدام الحضارات، العدو الأول.

فالمبادرة ليست عربية، وحاول العرب اللحاق بها مؤخراً وتوظيف نتائجها دبلوماسياً. ويهرول الجميع في حشد العالم ضد إسرائيل وعزلها. وينشط دعاة المقاومة أكثر من غيرهم، من أجل تحقيق هذا الهدف والذي ينتج عنه فقط: تليين موقف إسرائيل التفاوضي في عملية السلام.

ومن المؤكد أن هذا الضجيج سوف يخفت ونجد أنفسنا قد حصدنا نتائج الغياب. فكل الأمر لا يخضع لاستراتيجية عربية ثابتة ومنهجية، لذلك ليس من المستبعد أن يتسرب وقع الحدث من بين أيدينا ولا نقبض إلا الريح.

وقد قصدت من العنوان، أننا في حاجة إلى سفن تحمل لنا الحريات، وليس المعدات الطبية والمؤن الغذائية، وألا تقصد السفن غزّة فقط. ولكن المشكلة هي أن الحريات لا تستورد، بل هي زرع ذاتي ينمو في تربتنا الخاصة.

لأن حصار غزّة يقع، واجب أو فرض، فكّه على العرب، ولكن الإنسان العربي نفسه يحاصره القهر والجهل، ولا يعقل أن يفك المحاصر أسر محاصر آخر. وبينما يحتاج إنسان غزّة للغذاء والدواء، يحتاج الإنسان العربي للحرية والعلم والعقل. فهل يمكن أن يكون الاعتداء الأخير حافزاً للتقدم في اتجاه التحرر الكامل؟

في البداية لا بد من تحليل ملابسات وتداعيات الحدث، للخروج بالدروس الصحيحة الخالية من الأوهام والتمنيات غير المؤسسة.

تتحول القضية الفلسطينية تدريجياً نحو فقدان طابعها القومي العربي، ودخول دول مثل تركيا وإيران على الخط، وتحاول هذه الدول فرض رؤيتها على الحلول وسياسات المنطقة. ويعود هذا أولاً إلى غياب الزعيم العربي الكاريزمي، الذي يمكن أن يلتف حوله الجميع ويقبل بقيادته رصفاؤه الحكام الآخرون.

الآن، كل رئيس عربي لا يعترف بالآخر ولا يري أنه أفضل منه، ومن هنا تأتي المشاكسات والمكايد وتعطيل القضايا، ليس لأسباب منطقية ولكن بسبب من يتبناها ويريد تمريرها. لذلك، لم أستغرب حين رفعت جموع المتظاهرين في العواصم العربية صور أردوغان، فهو الجوع إلى زعيم وقائد عربي عظيم، دفعهم إلى صنعه في الخارج. وفي حالة حتمية نزع الطابع العربي عن القضية، فلا مانع من أن تكون قضية تحرر وطني عالمي، مثلما كانت فيتنام أو جنوب إفريقيا.

ولكن من الخطر اختزالها باعتبارها نزاعاً في مشروع الشرق الأوسط الكبير أو في المشروع الإسلامي. ورغم الحماس، يصعب عليّ تصور تركيا العضو الأساس والنشط في حلف الناتو، والصديق الحميم للولايات المتحدة، وصاحبة التنازلات المستمرة لكسب رضى الاتحاد الأوروبي؛ يمكن في غمضة عين وانتباهتها أن تتحول إلى دولة ثورية تصادم إسرائيل من أجل عيون الفلسطينيين.

فهي حتى الآن لم تقطع علاقاتها مع الكيان الصهيوني، وأجّلت المناورات معها ولم تلغها، وتقارن بين عدد السياح العرب والسياح الإسرائيليين. فلا بد للعرب أن يدركوا أن أقصى سقف للموقف التركي هو تقوية وضعيتها كوسيط مقبول وموثوق به في عملية السلام.

وفي هذا الاتجاه سوف تدخل تركيا في مقايضة لعودة العلاقات إلى وضع أحسن، مقابل تحريك الوساطة. ومن المتوقع أن تلعب تركيا دور الممر إلى العالم الإسلامي والعربي، عقب الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وسيكون من نتائج هذه الأزمة زيادة نقاط تركيا، أوروبياً، بقصد عدم ذهابها بعيداً في التضامن الإسلامي والعربي.

كشف حادث أسطول الحرية عن الركود واللامبالاة التي تعيشها المجتمعات العربية، إذ غابت المحاولات العربية لكسر الحصار. وهذا الحديث لا ينطبق على الأنظمة العربية الحاكمة، بل على الجماهير أيضاً. وهذا هو جوهر الأزمة: انصراف الجماهير عن القضايا العامة. ويلاحظ المرء أنه لولا الطابع الديني لما خرجت هذه المظاهرات.

فقد خرج أغلبها من المساجد وبعد صلاة الجمعة، حيث تم التجمع لغرض معين هو الصلاة ثم كانت المظاهرات. وهذا يعني أنه صار من الصعب تجميع الناس خصيصاً للتظاهر من أجل قضية ما. وعندما قلت: سفن الحريات، كنت أقصد مجازاً، أننا في حاجة لمدد بعد أن نضب شعورنا بالاحتجاج ومحاولة نزع الحريات.

وحتى الطلائع من شباب وطلاب لم يعودوا يمتلكون الحماس والعفوية والانفعال المرتبط بهذه الناس. فقد فعل القمع والقوانين الاستثنائية والتخويف فعله مع الزمن «وإن طول الجرح يغري بالتناسي». وبالتأكيد سيكون الحماس موسمياً ينتهي بعد أيام قليلة ويعود الجميع إلى حياتهم التي تسمى «عادية»، وهي في الحقيقة أقرب إلى الغريزة: سعي لا ينقطع من أجل لقمة عيش مغموسة في كثير من المهانة.

ولن يفكر الأفراد ولا الجماعات ولا منظمات المجتمع المدني، في تكوين كيانات دائمة لمساندة أهل غزّة ودعمهم ضد الحصار. كما تغيب النقابات والاتحادات المهنية، لأنها بين سندان الحزبية الزائدة ومطرقة التبعية للسلطة الحاكمة. وهذا يفسر مجيء المبادرات من الخارج، ونقوم نحن بتأييدها وليس العكس! أتمنى أن يشمل نقدنا الجماهير التي وهن وعيها وتم تزييفه، ولا نكتفي بلعنة الحكام.

هذا الحراك الذي جاءنا من الخارج رغم الجمود الذاتي، يمكن أن يكون فرصة نادرة للانتقال إلى مرحلة أعلى في المواجهة والمقاومة، بعيداً عن الشعارات والمزايدات. فمن الملاحظ أنه حتى الحديث عن المقاومة والصمود أصبح أقرب إلى اللفظية والكلام الخاوي، لأنه لم يعد يجسد نفسه منذ فترة في أفعال وممارسات مهما كانت صغيرة ومحدودة.

وهنا تأتي مسؤولية الساحة الفلسطينية المباشرة في توحيد نفسها، والتقدم كطليعة نضالية تستكشف الوسائل الختلفة لمواجهة العدو. وهنا يبرز مطلب الحرية والديمقراطية، والذي رمز إليه المتضامنون المتنوعون، وليتأثر الفلسطينيون بذلك التنوع الموحد، فيجلسون معاً لكسب احترام العالم، وليس شفقته فقط.

كاتب وباحث سوداني

ssc_sudan@yahoo.com