الأحداث التاريخية الاستثنائية تشكّل عادة فرصة قيّمة لاستبيان كثير من الأمور ذات البعد الاستراتيجي، لا سيما تلك المرتبطة بمسألة الفرز الدقيق للقوى، كما توضح تحالفاتها وخياراتها، لكنها تكشف أيضاً أعداءها وأصدقاءها الحقيقيين.
وإذا جرّبنا هذا المقياس على تداعيات الأزمة الغبية التي افتعلتها إسرائيل في مياه البحر الأبيض المتوسط مؤخرا، تتكشّف أمامنا الحقائق التالية:
لقد أكدت هذه الحادثة مجددا ضرورة وضع الأمور في نصابها الصحيح، في ما يخص التحالفات التكتيكية وربما الاستراتيجية القائمة حاليا في المنطقة، وتحديدا في الجزء الذي تعتمد عليه إسرائيل في مناوراتها الدولية كلما دعت الحاجة إلى ذلك.
وأقصد هنا معاهدات السلام الثنائية القائمة مع تركيا وبعض الدول العربية، والتي وبفضل الممارسات الإسرائيلية الشعواء المدعومة بغطاء أميركي قصير النظر، قد تم تفريغها تماما من الهدف الأساسي الذي كان مفترضا أن تقوم لأجله.
ويبدو أن هذا الأمر قد بات من الضرورات الملحة في الوقت الحاضر، أخذا بعين الاعتبار درجة الوقاحة التي وصل إليها التعاطي الإسرائيلي في ظل قيادة نتانياهو ـ باراك ـ ليبرمان للملفات الحساسة، وأهمها تلك المرتبطة بحق تقرير مصير الشعب الفلسطيني.
ولأن غزة تقف حالياً في مقدمة الصورة النضالية لهذا الشعب المعذّب، فإن مسألة فك الحصار عنها قد باتت من الأولويات التي يجب أن تكون على رأس جدول أعمال الدول آنفة الذكر، تحت طائلة الدعوة لوقف العمل باتفاقيات السلام إذا كان ذلك ضروريا.
وهذا أقل ما يمكن أن تطالب به الدول المعنية في الوقت الحاضر، فهي كانت «سبّاقة» في استشراف فرص السلام ومنافعه، فلتكن إذا سبّاقة في فضح عدم سلامة التصرف الإسرائيلي.
وما نطالب به يجب أن يتناسق بكل تأكيد مع جدية الوضع وخطورته، لأن ما أصبح في الميزان حاليا كثير جدا، ولا يجب أن يبقى رهن الغباء والصلافة التي تميّز أداء الفريق الحاكم في إسرائيل حاليا.
مقابل ذلك، يجب أن نشكر القرصنة الإسرائيلية المستمرة، لأنها تتيح لكثيرين ممّن كانوا غائبين عن السمع، أن يروا الأمور بشكل أوضح. وهنا أدخل في سياق العلاقات الدولية، لأشير إلى أن ما يجري على صعيد المحاولات الرامية لكسر حصار غزة، قد أدى إلى فرز مهم ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول؛ الذي بقي متمسّكا بنظرته قصيرة المدى وإصراره على الاجتهاد الأعمى لتبرير الممارسات الإسرائيلية.
وقد برزت في هذا السياق، كالعادة، الولايات المتحدة الأميركية التي سعى مسؤولوها في اللحظات الأولى لامتصاص الغضب التركي، من خلال عبارات الحزن والمواساة العادية، لكنهم «عادوا إلى رشدهم» سريعا من خلال تأكيدهم الحازم على «حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها»، حتى لو تطلب الأمر سفكا للدماء البريئة!
والثاني؛ الذي ضم دولا أوروبية مستقلة بكل معنى الكلمة، والتي لم تتردد في التعبير فورا عن امتعاضها مما جرى، بأقسى العبارات الدبلوماسية الممكنة، وهي في الغالب دول اسكندنافية وأخرى أعضاء في الاتحاد الأوروبي. ولا شك أن التصرف الراقي لهذه الدول، قد شكّل مثالا يجب أخذه بعين الاعتبار وتقديره، لا سيما وأن سرعة التعبير عنه قد سبقت دولا عربية كثيرة ممن تقيم علاقات مختلفة مع دولة إسرائيل.
وفي الخانة الثالثة؛ أجد نفسي مضطرا لوضع بعض الدول الحليفة بقوة لإسرائيل، لكن التائهة في مجالها الجيوسياسي الجديد، كتشيكيا على سبيل المثال. فدول مثل هذه تجد نفسها مضطرة لتنسيق موقفها مع موقف الاتحاد الأوروبي الذي تنتمي إليه، لكنها تحرص كعادتها على موازنة هذا الموقف الرسمي بموقف آخر يصدر عن مسؤول رفيع المستوى ويعبّر عن التعاطف المطلق مع السياسة الإسرائيلية.
وفي الحالة الأخيرة، برز موقف رئيس مجلس الشيوخ برشيميسل سوبوتكا، الذي حمّل المنظّمين مسؤولية ما جرى من سفك للدماء في البحر الأبيض، باعتبار أن ما قاموا به كان بمثابة «عمل استفزازي مختبئ وراء المساعدات الإنسانية، خصوصا وأن حماس هي حركة إرهابية وفق المفهوم الأوروبي»، حسب تعبيره.
وفي خضم حركة المواقف المتنامية والمتباعدة، أجد نفسي مضطرا، وفق ما تقتضيه الموضوعية والإنصاف، للإشارة أيضاً إلى عنصر رابع مهم جداً في سياق المواجهة الحساسة التي استعرت على هذا الصعيد، والذي تمثل بمواقف الشجب الواضحة الصادرة عن مفكرين وصحفيين إسرائيليين، أدانوا تصرفات قيادتهم باعتبارها ضرباً من ضروب الجنون والغطرسة.
ويمكن العودة لمقالات حملت عناوين مثل «سبعة أغبياء في الحكومة» وغيرها، بالإضافة لمواقف جريئة تعرّي وتنتقد الطريقة الغبية التي تتبناها الدولة العبرية لحل مشاكلها مع الفلسطينيين، مثل تلك التي صدرت مؤخرا عن كتّاب إسرائيليين مثل أموس عوز وغيره.
لقد ساعدت دماء البحر الأبيض المتوسط في إماطة اللثام عن كثير من الحقائق، وأضاءت طريق الشموع الممتد حتى غزة، في انتظار كسر الحصار بالكامل. وحتى تحقيق ذلك الهدف السامي، نأمل أن يحقق العرب المزيد من التكاتف حول مشروع فك الحصار عن غزة، لما له من أهمية قصوى على أكثر من صعيد.
وليس مسموحاً أن يبقى التعاطف مع هذا المشروع محصورا ضمن فئات محدودة من القوى الشعبية والنيابية، بل يجب أن يمتد ليشمل أصحاب القرار أنفسهم، وأن يتفرّع بالتالي إلى أجندتهم السياسية المحلية والدولية، حتى لو تطلّب الأمر أن يتمثلوا بالأداء التركي الرسمي المميّز، والذي يشهد احتضاناً شعبياً عربياً قلّ نظيره.
وبالتأكيد، فإن المطلوب من أصحاب الشأن أنفسهم، أي أبناء الشعب الفلسطيني، أن يساهموا أيضاً بقسطهم من المسؤولية، من خلال مد جسور الثقة والمحبة بينهم.
فالانقسام الحاصل ليس أقل خطرا من مشروع الحصار، ومن يصر على التمسك به كعقيدة، لن يخدم بذلك إلا المشروع الإسرائيلي الشامل.
كاتب لبناني
ezzedine@volny.cz
