يسألني صاحبي مستنكراً: كيف أقول إن المثقف فقد فاعليته في مجتمعه وفي العالم؟ في حين نجد أن المثقفين يمارسون حضورهم ونجوميتهم، وسط المشهد، بندواتهم ومحاضراتهم وجوائزهم وسائر أنشطتهم، لاسيّما أنهم يستفيدون من عصر الاعلام والصورة، سواء بالكتابة في الصحافة اليومية أو عبر الاطلالة من على منصّة الشاشة! وكان جوابي أن الحضور، عبر وسائل الاعلام، ليس دليلاً على أن المثقف يفعل ويؤثر في مجريات الاحداث، سواء في بلده أو على المستوى العالمي.

وأتوقف عند مثالات، عربية وغربية، هي شواهدي على ذلك. أولها أدونيس، الذي لا شك أنه يمارس حضوره عربياً أو عالمياً، على الأقل على ساحات الثقافة.

وكان أدونيس قد ألقى، مؤخراً، محاضرة في بيروت، محورها نفس المشكلة المزمنة والمتجدّدة، المطروحة على العرب منذ عصر النهضة: التعثّر والفشل، بل التراجع، في ما يخص علاقتهم بالتقدم والحرية والديمقراطية وحقوق والانسان، وسواها من عناوين الحداثة.

وهكذا، فقد أخفقت المجتمعات العربية في مشاريعها الحضارية على اختلاف عناوينها وأطوارها، إذ هي لم تُحسن أن تُقدّم نفسها للعالم، عبر نماذج ناجحة في الديمقراطية أو التنمية أو المعرفة، كما تفعل شعوب كانت وراء العرب، فإذا بها تصبح أمامهم.. نحن إزاء مأزق يطرح أسئلته على الجميع.

ولذا لم يعد يكفي، بل لا يجدي، وضع الملامة على الغرب في الخارج، أو على الاستبداد السياسي والارهاب الديني في الداخل، كما تفعل الغالبية من المثقفين.

من هذا المنطلق، بالذات، كانت أسئلتي لأدونيس، عن عدته في المقاربة والمعالجة في مواجهة الأزمة، وهي أسئلة لا تعنيه وحده، وإنما تعنينا جميعاً، بوصفنا نتصدى لمشكلات العرب والعالم:

هل صحيح أن المجتمعات العربية لا تتقدم، أم أننا نرمي إخفاق المثقفين وفشل الساسة على الفاعلين في بقية الحقول والميادين، ممن يسهمون في تحديث الحياة العربية من غير ادعاء أو تنظير؟ وإذا صحّ أن التراجع شامل، فكيف تُعقل هذه الظاهرة؟

كيف نفسر تراجع الاوضاع عمّا كانت عليه في زمن طه حسين أو حتى في زمن محمد عبده، فيما نحن نتصدر الواجهة الفكرية طوال عقود؟ بل كيف نفسر أن أكثرية الناس الذين ندافع عن حقوقهم وحرياتهم ومصالحهم، قد انقلبوا ضدنا وأصبحوا، سعداء، في قبضة التيارات السلفية والأصولية؟

واخيراً، كيف نفهم أن يقضي أحدنا الشطر الاكبر من عمره يدعو للتغيير، كما هي حال أدونيس، ثم يتغير العالم على عكس ما يتصوره ويريده، ويمسي هو معزولاً أو وحيداً في ما يفكّر فيه أو يسعى إليه؟!

مثل هذه الاسئلة، بمفارقاتها الفاضحة، تعني أن أفكارنا أمست مستهلكة، أو أنها غير قابلة للتداول، أو أن ما نشكو منه أو نحاربه هو ثمرة لأفكارنا بالذات، وهذا هو الأرجح.

وأياً يكن، فالاخفاق يشهد على فقدان المثقف، الداعية أو المنظر أو الثائر، للمصداقية والفاعلية، ليمسي على هامش العمل الحضاري. وهذا لا يخص المثقفين العرب وحدهم، وإنما يعني أيضاً الكثيرين من المثقفين الغربيين الذين يكتشفون أن المفكرين ما عادوا يلعبون الدور الذي كانوا يلعبونه.

حتى زمن سارتر أو راسل، أو ميشال فوكو، بل باتوا قليلي الفاعلية، وربما عديمي الأثر، من حيث مشاركتهم في صناعة العالم، كما يعترف، ولو متأخراً، فيلسوف ومؤرخ مثل مارسيل غوشيه.

ولا غرابة أن يكون الوضع بمثل هذه الهشاشة، ما دام أهل الشأن الفكري يتعلقون بأفكار مستهلكة، صدئة، فيما العالم يتغير بأدواته وقواه والفاعلين على مسرحه، بقدر ما تتغير خرائط المعرفة، وعلى نحو يطال مجمل العناوين الحديثة حول الواقع والحقيقة والحرية والانسان، وسواها من المصطلحات التي فقدت فاعليتها في الفهم والتشخيص، في مواجهة التحديات والصدمات، وباتت تحتاج لإعادة البناء والتركيب.

أنتقل بذلك إلى شاهد آخر يجسده العالم اللغوي والمفكر اليساري، الاميركي، نعوم تشومسكي، الذي يعتبره مريدوه من العرب المفكر الاكبر والمرجع الابرز والامل الواعد، في ما يخص مواجهة الظلم والاحتكار والتمييز والسيطرة.

وكان تشومسكي قام بزيارة إلى بيروت، هي الثانية له بعد زيارته الأولى قبيل حرب تموز 2006، ليلقي محاضرة محورها نفس القضية التي تستأثر باهتمامه، والتي تحول معها من عالم لغوي إلى ديناصور حداثي تحرري: شن النقد، المكرر المعاد، على ثالوث الامركة والرأسمالية والامبريالية.

ولكن، ما هي الحصيلة بعد عقود من النضالات؟ تشومسكي هو الاقل تأثيراً في صناعة الحياة الاميركية، هذا في الداخل. أما في الخارج فالعالم هو أسوأ مما كان عليه قبل عقود. وإذا كانت اميركا قد انكسرت شوكتها الامبريالية او أحاديتها القطبية، فليس بفضل مقاومة التيار اليساري الذي يمثله تشومسكي، بل بسبب صعود قوى ودول أخرى على المسرح، تغيّرت معها خارطة المشهد العالمي.

ولنتوقف عند مثال ثالث يجسده الفيلسوف السلافي سلافوج جيجك الذي هو الآخر متشبث بشيوعيته، سعيد بماركسيته. ولذا لا ينفك عن مهاجمة العولمة ورموزها، كبيل غيتس، بوصفهم من أعداء التقدم.

ولكن جيجك الذي يقفز من عاصمة الى أخرى، ومن شاشة الى سواها، لا يحسن سوى استثمار ما يحاربه، أي العولمة والسوق والليبرالية الوحشية. أما افكاره لتغيير العالم فهي في وادٍ وحياته في وادٍ آخر. نحن إزاء ديناصور يساري بمعتقده، يعيش حياة ليبرالية معولمة.

هذا ما حمل البعض على القول بأن جيجك يمارس الفلسفة بعقلية «المقاول». وهذه حال الكثير من المثقفين، نقاد العولمة والسوق. إنهم يمارسون الزيف الوجودي في ما يدعون إليه، فهاجسهم هو تسويق أسمائهم وصورهم ومنتجاتهم.

من هنا لم تعد تخدعني مواقف جيجك، ولا أسطورة تشومسكي ومريديه الذين يحضرون وسط المشهد، مشهد الدماء والدمار، كما يفعل تشومسكي ومثقفون عرب، لتلميع الصورة أو لتجديد الوصاية على القضايا.

والحصيلة خسارتها واحدة بعد الأخرى! فهم لم ينجحوا في مقاومة الامبريالية والليبرالية الجديدة. أما القضية الفلسطينية التي تعيشوا عليها طويلاً، وما زالوا يتاجرون بآلام ودماء أهلها، فإنها تتراجع معهم إلى الوراء، بعد دهر من نضالاتهم الفاشلة.

ثمة حاجة الى فاعل جديد على المسرح، قدر الحاجة الى أفكار واستراتيجيات جديدة في إدارة القضايا، وبالاخص القضية الفلسطينية. ولعلّ مبادرة «أسطول الحرية»، التي أطلقتها أو رعتها تركيا، هي واحدة من الأفكار الخصبة والفعالة في المواجهة، إذ هي وضعت إسرائيل لأول مرة، منفردة، في مواجهة مع العالم، وأظهرتها على حقيقتها كدولة استيطانية إرهابية. فما السر الذي جعل تركيا تنجح فيما نُخفق نحن؟!

كاتب ومفكر لبناني

harb@cyberia.net.lb