على ما يبدو فإن ربيع السلام الذي بدأ به الرئيس أوباما عمله في البيت الأبيض، قد انتهى لتعود واشنطن لتمارس لعبتها التي بدأتها مع مطلع هذا القرن، وهي لعبة العسكرة والحروب البعيدة والمكلفة بشكل باهظ لا يتصور أحد أن الولايات المتحدة بظروفها الحالية تتحمله.

ولكن على ما يبدو أنه لا خيار في الأمر، ولا إرادة أيضا للإدارة الأميركية في الرفض أو القبول، و ما على أوباما الأسمر إلا أن يرضى بشرف الجلوس في المكتب البيضوي في البيت الأبيض ويترك الأمور لأصحابها يديرونها بمعرفتهم.

لقد اتضح في الاستراتيجيات الجديدة التي أعلنتها واشنطن مؤخرا، أن أجندة الحروب لم تغلق ولم تنته، بل على العكس فهي مفتوحة لحروب أخرى جديدة في أماكن أخرى عديدة. والاستراتيجيات المعلنة لا تحدد الأماكن، لكنها تعلن أن الحروب قادمة، وهذا وحده يكفي لإجراء الاستعدادات لها.

وأهم هذه الاستعدادات كالعادة هو صرف الاعتمادات المالية اللازمة، وهذا هو الهدف الرئيسي، وهي المهمة التي سيتولاها بالقطع الرئيس أوباما وسينفذها بجدية، طمعا في فترة ولاية رئاسية ثانية.

وقد أفادت الصحافة الأميركية أن الجنرال ديفيد بترايوس، قائد القيادة العسكرية المركزية الأميركية، أصدر أمراً سرياً بتوسيع العمليات العسكرية السرية في الشرق الأوسط ووسط آسيا والقرن الإفريقي، في إطار مكافحة إرهاب تنظيم «القاعدة» وتهديدات أخرى.

وذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» نقلاً عن وثيقة سرية حصلت عليها، ونقلا أيضا عن مسؤولين عسكريين أميركيين، أن بترايوس يريد القضاء على جماعات مسلحة في دول منها السعودية وإيران والصومال، وقد أمر بإرسال قوات أميركية خاصة إلى دول صديقة وعدوة في الشرق الأوسط والقرن الإفريقي لجمع معلومات استخباراتية بهدف الإعداد لضربات عسكرية.

وأشارت الصحيفة إلى أن قرار القيادة العسكرية المركزية الأميركية، يسمح بزيادة المساعدات العسكرية والاستخباراتية للقوات اليمنية، لزيادة قدراتها لضرب أهداف لتنظيم «القاعدة».

ويبدو أن قرار بترايوس لم يلق ترحيب جميع قيادات البنتاغون، وخاصة من قدامى العسكريين الذين يبدون معارضتهم دائما على الحروب غير محددة الأهداف، إذ يخشى بعض أركان وزارة الدفاع الأميركية أن يترك هذا أثره السلبي على العلاقات مع دول صديقة كالسعودية واليمن، ويؤجج المشاعر العدائية لدى إيران وسوريا.

تسريب هذه المعلومات السرية الهامة من البنتاغون عبر وسائل الإعلام الأميركية، يثير الشكوك لدى جهات كثيرة، خاصة في روسيا، حيث يرى البعض أنه تسريب متعمد، والهدف منه إخطار الإدارة الأميركية بأن الحروب لم تنته بل قادمة، وأيضا إخطار الدول المعنية في الشرق الأوسط بأن الأميركيين قادمون.

وقد عبر العقيد فيتالي شليكوف، وهو مسؤول سابق في المخابرات العسكرية الروسية، عن شكوكه في إمكانية تسريب معلومات عن قرار هام للقيادة العسكرية الأميركية، لكنه أشار إلى أنه لو صدر أمر كهذا لما اندهش، لأن الولايات المتحدة مصممة على مواصلة حملتها المزعومة ضد الإرهاب في أي مكان.

وقد سبق أن أبدت روسيا شكوكا كثيرة حول أحداث واضطرابات في مناطق مختلفة، رأت فيها موسكو آثارا لأيد خفية كبيرة. من هذه الأمور نشاط القراصنة الصوماليين في البحر الأحمر، والذي ظهر فجأة بدون مقدمات وبصورة قوية ومكثفة، ولم تتحمس واشنطن ولا حلفاؤها المقربون لاتخاذ إجراءات عملية وحاسمة ضده.

وكذلك أحداث اليمن والحرب مع الحوثيين الذين بدا للجميع امتلاكهم لأسلحة حديثة وكثيرة أثارت الشكوك حول مصادرها، وكذلك الأعمال الإرهابية التي تقع بين الحين والآخر في المملكة العربية السعودية، وكلها أمور لا تستبعد فيها موسكو وجود قوى دولية خفية تحركها وتدعمها.

وقد سبق أن تصدت موسكو وبكين لعمليات مشابهة في بلدان وسط آسيا، والتي اتضح فيها للجميع وجود أيادٍ أميركية، ولهذا صعدت روسيا والصين نشاطهما من خلال منظمة شنغهاي للتعاون، بهدف طرد القواعد العسكرية الأميركية من وسط آسيا.

الآن من الواضح أن اهتمامات واشنطن ستتركز في الشرق الأوسط، وهذا الأمر يفرض على روسيا والصين والمجتمع الدولي أن يعيد حساباته جيدا مع إدارة الرئيس أوباما، ولا يتعامل معها على حد تصريحاتها.

بل ينظر إلى أفعالها وخططها واستراتيجيتها الجديدة التي أعلنت عنها مؤخرا على لسان الوزيرة السابقة العجوز مادلين أولبرايت، والتي لم تخف فيها نوايا واشنطن لشن حروب جديدة في العالم.

كاتب أوكراني

vladi1949@mail.ru