كانت النملة تمني نفسها بفنجان من القهوة يضبط لها مزاجها، بعد أن تعبت من التجوال في أجنحة معرض الوظائف، وانتهت من توزيع كل الملفات التي أعدتها على الدوائر المشاركة في المعرض، ولكن يبدو أن فنجان القهوة هذا قد قلب مزاجها تماما وزادها تعبا.

دخلت النملة أول مقهى صادفها وهي ترتدي نظارتها الشمسية خشية أن يعرفها أحد، خاصة بعد الشهرة التي نالتها إثر نشرها لمقال «دوائر النمل» الذي ما زال يُتداول عبر المواقع الإلكترونية والمنتديات والرسائل البريدية.

كان المقهى مزدحما عندما دخلته نملتنا باحثة لنفسها عن طاولة لأخذ قسط من الراحة قبل مغادرة المعرض، لكن العثور على طاولة في ظل الزحام الذي شاهدته بدا مستحيلا، لذلك استأذنت مجموعةً من النمل مجتمعاتٍ حول طاولة وجدت عليها كرسيا شاغرا في الجلوس معهن.

فأذنت لها إحداهن قبل أن تعلق ساخرةً: تفضلي يا أختي، فالعثور على كرسي في هذا المقهى يبدو هو الآخر مهمة مستحيلة، كما هو الحال مع العثور على وظيفة في مملكة النمل التي تفتح أبوابها أمام الجميع وتعجز عن توفير وظائف لأبنائها!

تعجبت نملتنا من كلام النملة التي أفسحت لها مكانا على الطاولة التي اجتمعت حولها تسع نملات، يبدو أن التعب قد أخذ منهن كثيرا فبدا الوجوم على وجوه أغلبهن، بينما انهمك بعضهن في حديث لم يخرج عن دائرة المهمة التي جئن إلى هذا المكان من أجلها.

قالت نملتنا، يدفعها الفضول وأشياء أخرى في نفسها، موجهة حديثها للنملة الساخرة، ورفعت صوتها بغية إسماع بقية النمل، كأنها أرادت أن تفتح حوارا تستدرج إليه الجميع: وأي صعوبة في العثور على وظيفة في مملكتنا، وقد حباها الله كل هذه الخيرات التي يحسدنا عليها الجميع، ويشاركوننا التنعم بها؟!

يبدو أن سؤال نملتنا استفز كل من كان على الطاولة التي جلست إليها والطاولات المجاورة، فقطع من كان منهمكا في الحديث حديثه، وأفاق من كان واجما من وجومه، وبدت على وجوه النمل المتعبات علامات هي أقرب إلى التعجب منها إلى الاستفهام.

قبل أن تنبري نملة منهن قائلة: واضح أنك لست من أهل هذه المملكة يا عزيزتي، أو أنك من أولئك المولودات وفي أفواههن ملاعق من ذهب، وقد جئت إلى معرض الوظائف لتزجي وقت فراغك، أو الاستمتاع بمشاهدة جموع النمل الباحثات عن وظائف، كأنهن في سباق لا نهاية له؟

فاجأ كلام النملة المقهورة نملتنا، وكادت تنحدر على خدها دمعتان طفرتا من عينيها أخفتهما النظارة الشمسية التي كانت ترتديها لمثل هذه المواقف، ثم قالت: لا هذه ولا تلك يا أختي العزيزة.

لكنني أردت أن أخفف عن أخواتي ما رأيته على وجوههن من وجوم، وأستشف منهن سبب هذا الحزن الذي أراه باديا عليهن، قالت نملة جاءت من أقصى المقهى تسعى، وقد شدها الحوار الذي كانت تتابعه عن بعد: ها نحن نعود مرة أخرى للحديث نفسه الذي نتجاذب أطرافه كل عام في هذا المكان.

وكأننا نجتره أو نعيد استنساخه لإفراغ ما في نفوسنا من احتقان، كي نذهب إلى مساكننا على أمل اللقاء في هذا المكان العام المقبل، كما يقول مذيعو الراديو والتلفاز وهم يختمون برامجهم، الفرق الوحيد بيننا وبينهم أنهم يقولون ذلك وهم يرسمون ابتسامة على وجوههم، حتى لو كانت مصطنعة، أما نحن فلا نستطيع رسم هذه الابتسامة ولا نستطيع حتى اصطناعها.

لامس كلام النملة هذا وترا حساسا في نفس نملتنا المقهورة هي الأخرى مما حدث لها في دائرتها، وتذكرت كل ما مر بها قبل أن تسأل: وهل الصورة قاتمة إلى هذه الدرجة أم أننا نحن الذين نبالغ في رسمها؟ قالت نملة كانت تجلس في طرف الطاولة محتضنة ملفها: اسمعي يا عزيزتي حكايتي، فربما وجدت فيها مثالا للمعاناة التي تتحدث عنها زميلاتي.

لقد أنهيت دراستي الثانوية وتخرجت من القسم العلمي بتفوق، وعندما قدمت أوراقي لإدارة البعثات وجهوني إلى دراسة أحد التخصصات العلمية الحديثة في الخارج، وقد أمضيت سنوات من عمري أدرس هذا التخصص الذي أحببته وتفوقت فيه فعلا، وفي السنة الأخيرة من دراستي تلقيت عروضا للعمل من جهات عدة في تلك المملكة الغربية التي كنت أدرس فيها.

لكنني رفضت كل تلك العروض وآثرت وطني الذي أرسلني للدراسة وتحمَّل تكاليف دراستي طوال هذه السنوات، لكن صدمتي كانت كبيرة عندما عدت إلى الوطن وبدأت رحلة البحث عن وظيفة أنا وزميلاتي اللواتي درسن التخصص نفسه، فقد فوجئنا بأن الجهات المختصة في مملكتنا لم توفر مجالات العمل التي تناسب تخصصنا، رغم أنها هي التي دفعتنا إلى دراسة هذا التخصص.

حتى المجالات القريبة منه كانت تضع العراقيل أمام توظيفنا، مرة لعدم الحاجة، ومرة لعدم وجود شواغر، ومرة لأسباب تتعلق بخوف مديريها الغرباء عن مملكتنا على مواقعهم، وها نحن قد أصبحنا بعد كل هذا زائرات دائمات لمعارض الوظائف، وغدونا على وشك إعادة النظر في العروض التي تلقيناها في الخارج، كي لا ننسى ما درسناه فنخسر سنوات عمرنا التي قضيناها خارج الوطن!

التقطت النملة أنفاسها قبل أن تكمل: هل تتصورين يا عزيزتي ماذا قال لنا البعض؟ لقد نصحونا بمواصلة دراستنا للحصول على شهادات أعلى، فقلنا لهم: وما الذي يضمن بعد أن نفعل ذلك أن لا يقال لنا إننا أكثر تأهيلا من المطلوب للوظائف المتوفرة، مثلما قيل لزميلاتنا اللواتي سمعن هذه النصيحة وعملن بها؟

ران الصمت على قاعة المقهى التي كانت قبل قليل تضج بالحوارات والحركة، وانتظم النمل الذي كان منتشرا في حلقات متفرقة ليشكل حلقة كبيرة، وأخذت كل نملة تروي قصة أغرب من الأخرى، بينما انهمكت نملتنا في تدوين حكايات المقهى التي شاب لها قرنا استشعارها.

ملاحظة: لاحظت النملة أن هناك عتبا كبيرا على سلطات مملكة النمل لعدم إلزامها القطاع الخاص باستيعاب نسبة من مواطني المملكة، خاصة وأن المسيطرين على هذا القطاع ليسوا من أهل المملكة، وهم يثرون على حسابها وحساب أهلها دون مقابل، وقد تركت هذه الملاحظة لديها العديد من الأسئلة وولّدت لديها الكثير من الأفكار.

كاتب إماراتي

aliobaid4000@yahoo.com