حينما تكون الجريمة والمجزرة سافرة وصريحة وبالبث الحي والمباشر ومسنودة بممهدات ومقدمات ايديولوجية وسياسية واعلامية، وحينما تكون القرصنة في وضح النهار، ويكون القراصنة الكبار معروفين وعلى رؤوس الأشهاد، فلا يعود المجتمع الدولي بحاجة ابداً الى لجان التحقيق، وتتحول هذه اللجان بالتأكيد الى مهزلة ومهرب وتضليل وعبثية ولعبة وتتويه ومضيعة للوقت، إذا لم ترافقها دائماً قدرة تنفيذية..
والتجربة في ذلك طويلة وغزيرة، على مدى السنوات والعقود الماضية. فهل تختلف المعادلة الآن عما اعتدنا عليه؟!
الواضح انه حينما يكون هناك ثقل ووزن محترم وراء لجان التحقيق الدولية، كما هي الحالة مع «اسطول الحرية» اليوم، حيث تقف تركيا دولة وقيادة وشعباً ووزناً وتاريخاً وتأثيراً وراء مثل هذا التوجه، فإن الحسابات والاعتبارات والنتائج تكون ايضاً مختلفة. ما كنا نحتاجه على هذا المستوى القانوني القضائي والاخلاقي في الصراع مع الدولة الصهيونية، هو القدرة على المتابعة والتنفيذ، والقدرة على جلب جنرالات وقيادات اسرائيل لمحكمة الجنايات الدولية، والبادي أن «مجزرة اسطول الحرية» تشكل نقطة تحول جدية على هذا الصعيد، ما يتطلب المزيد من حشد الاساطيل والجهود والطاقات والهيئات واللجان الفاعلة، حتى تغدو المطالبات باعتقال جنرالات الحرب والاجرام تحت التنفيذ.
اما بخصوص المطالبات والمقترحات بأن تقوم الدولة الصهيونية بتشكيل لجنة تحقيق أو فحص، فهذا منتهى الفلس والتضليل، فكيف يمكن ان تقوم اسرائيل بنفسها بالتحقيق مع جيشها؟ اي ان المجرم والقرصان يحقق مع نفسه.. تصوروا هول المهزلة !!
وفق خريطة ردود الافعال العالمية، هناك اجماع دولي الى حد كبير على تشكيل لجان تحقيق دولية او اسرائيلية، فالرئيس الأميركي أوباما ـ على سبيل المثال ـ يعلنً مساندة بلاده لإجراء «تحقيق موضوعي شفاف يتسم بالمصداقية بشأن الوقائع المحيطة بهذه المأساة»، ثم يصف الرئيس في تصريح ثان اعتداء إسرائيل على أسطول الحرية بأنه حادثة «مأساوية»، الا انه يؤكد من جهة اخرى أن لدى تل أبيب «مخاوف أمنية مشروعة» بشأن قطاع غزة، داعياً اسرائيل لإجراء تحقيق «موضوعي» في «الحادثة»، فيا لهول الازدواجية هنا! ثم ينضم اليه نائبه جو بايدن ليقدم لإسرائيل دعماً أميركياً جديداً، ويمنحها ضوءاً أخضر بمواصلة القرصنة في المياه الدولية تحت ذريعة «حق الدفاع عن النفس»، حيث أيّد في حديث متلفز «حق إسرائيل في تفتيش السفن والبضائع المتجهة إلى غزة».
الصحافيان الاسرائيليان عاموس هارئيل وباراك رافيد، كشفا النقاب في تقرير نشرته صحيفة «هآرتز» (3\6\2010) عن ان البيت الأبيض قدم مخرجاً، مقترحاً على رئيس الوزراء الاسرائيلي تشكيل لجنة تحقيق داخلية مستقلة، بمشاركة مندوب أميركي لضمان مصداقيتها أمام المجتمع الدولي، لكن نتنياهو رفض المقترح الأميركي بسبب رفض وزير أمنه أي لجنة تحقيق سوى تحقيقات الجيش الداخلية. والاتحاد الأوروبي يدعو بدوره إلى «التحقيق في سقوط قتلى على متن سفن المساعدات المتجهة لقطاع غزة في هجوم شنته البحرية الاسرائيلية».
ثم يأتي مجلس حقوق الإنسان التابع لهيئة الأمم المتحدة، ليكون هو الاوضح والاعدل، فيقرر تشكيل «لجنة تقصي حقائق مستقلة للوقوف على انتهاكات القانون الدولي الناجمة عن مهاجمة أسطول الحرية»، يضاف الى ذلك قيام النائب العام التركي بجمع المعطيات والشهادات اللازمة من المشاركين في «اسطول الحرية»، تمهيداً لرفع دعاوى على قيادات وجنرالات المجزرة الاسرائيليين.
ورغم قوة المشهد الدولي الذي يحشر اسرائيل في الزاوية الضيقة هنا، إلا ان الغطرسة والغرور والفوقية العنصرية ونزعة القوة، هي التي تحكم دائماً المواقف والسياسات الاسرائيلية، فقد رفضوا رسمياً كل المطالبات بتشكيل لجان للتحقيق في ما حدث..
فقد جاء الرد الاسرائيلي اولاً على لسان نتنياهو الذي اكد خلال جلسة للمجلس الامني- السياسي المصغر، ان حكومته «ستواصل فرض الحصار على قطاع غزة لمنع تهريب السلاح عبر البر والبحر والجو»، وقال وزير خارجيته ليبرمان، إنه يرفض لجنة تحقيق دولية، وذلك بعد ان كان اجرى اتصالًا هاتفياً مع الامين العام للامم المتحدة بان كي مون، واكد له «رفض اسرائيل للقرار الذي تبناه مجلس الامن الدولي»، مضيفاً: «ان هذا القرار يعكس النفاق وازدواجية الأخلاق للمجتمع الدولي، ولا يسهم في دفع عملية السلام والاستقرار في الشرق الاوسط».
ثم جاءت زعيمة المعارضة تسيبي ليفني التي اعلنت «ان العالم كله مشغول بمن سيقيم لجان تحقيق اكثر من غيره، ولذلك هناك اليوم مهمة امام الحكومة، هي إبقاء العالم خارج الباب وابقاء جنود الجيش الاسرائيلي خارج الساحة الدولية، فأنا لا أريد أن أرى العالم يحقق مع جنودنا».
فالواضح المقروء مسبقاً، انهم هناك في الكيان الصهيوني، لم ترتجف جفونهم من الجريمة حتى بعد وقوعها وثورة العالم ضدها، كما انهم لن يرتجف لهم جفن على اية مجزرة قادمة مخططة، وكل المجازر لديهم مخططة ومؤدلجة مع سبق النوايا والتخطيط والاصرار.
آن الاوان - وقد آن عملياً منذ زمن طويل - لمحاكمة جنرالات وساسة اسرائيل على اختلاف انتماءاتهم، بتهمة اقتراف جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية ضد الفلسطينيين. وان كنا في هذه الايام، في اجواء القرصنة البحرية المجازرية ضد «اسطول الحرية»، فإن هناك سجلاً طويلاً من القرصنة البحرية الاسرائيلية التي كانت تحتاج الى لجان ولجان.. وعلى اهمية كافة لجان التحقيق الدولية واهمية توصياتها، إلا أنها دائماً تبقى مع وقف التنفيذ، بلا حول او قوة في مواجهة بلطجة الفيتو الأميركي والصلف الصهيوني.
إن عملية القرصنة ضد «اسطول الحرية»، بالتأكيد نقطة تحول استراتيجي على مستوى التفاعل الدولي ضد الجريمة الاسرائيلية، ويؤمل أن تشكل ايضاً نقطة تحول اخرى على مستوى التفاعل والاداء العربي العقيم على هذا الصعيد.. ولعل مواقف رئيس الوزراء التركي والشعب التركي وراءه، تكون عبرة للعرب الذين تهمهم العبرة!
كاتب فلسطيني