منذ اللحظة الأولى للجريمة البشعة التي ارتكبتها إسرائيل بمهاجمة قافلة الحرية وقتل الناشطين المدنيين الأبرياء، كان القرار الأميركي حاسماً في مؤازرة إسرائيل للخروج من ورطتها بأقل الإضرار.

وبينما العالم كله يدين ما حدث باعتباره جريمة في حق الإنسانية، كان الرئيس الأميركي يعبر عن شعوره ب»عميق الأسف« لما حدث، وكانت المظلة الأميركية جاهزة لحماية إسرائيل في مجلس الأمن برفض أي إدانه لإسرائيل أو عقوبات تفرض عليها، والاكتفاء بالمطالبة بتحقيق رفضت أميركا أن يكون تحقيقاً «مستقلاً».

وقالت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون بعد ذلك أن إسرائيل نفسها هي التي ستقوم بالتحقيق في الجريمة التي قامت بارتكابها.

موقف تعودناه من الإدارة الأميركية كلما ارتكبت إسرائيل جريمة او قامت بعدوان أو أشعلت حرباً، لكن الجديد هنا أن الضحايا ليسوا من العرب الذين هانوا على أنفسهم فهانوا على العالم، والعدوان تم على سفينة ترفع العلم التركي والضحايا الذين سقطوا كانوا من الأتراك، و الجريمة كان شهودها وبعض ضحاياها من كل انحاء العالم.

وربما كان البعض يتصور أن الموقف سيتغير خاصة بعد اللهجة الحاسمة من جانب تركيا في التعامل مع العدوان فور وقوعه واتخاذ إجراءات منها سحب السفير التركي في إسرائيل وإلغاء ثلاث مناورات عسكرية مشتركة كانت مقررة بين الجانبين ثم الذهاب لمجلس الأمن بقرار شديد اللهجة في إدانة الجريمة الإسرائيلية.

لكن ما حدث بعد ذلك أن تركيا قبلت بالتعديلات التي أملتها أميركا على بيان مجلس الأمن لإفراغه من مضمونه ومنع إدانة إسرائيل، ثم بدا واضحاً بعد ذلك أن واشنطن قادت عملية التهدئة بين الحليفين الأساسيين لها في المنطقة.

فتعيد إسرائيل النشطاء الذين أسرتهم والجرحى وجثث الشهداء، وتحاول الحكومة التركية التعامل مع الشارع التركي المشتعل غضباً مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام جهود التهدئة ثم يحذر رئيس الوزراء التركي إسرائيل بأنها تغامر بان تفقد الصديق الوحيد لها في المنطقة.

بالطبع لم يكن أحد يتصور أن تعلن تركيا الحرب بسبب الجريمة الإسرائيلية. ولا شك أن التغييرات الأساسية في السياسة التركية الخارجية في السنوات الأخيرة

وانفتاحها علي العالم العربي قد نقل تركيا من موقع الحليف الأساسي للكيان الصهيوني على مدى عقود طويلة إلى موقع اقل ارتباطاً به.

وأكثر ارتباطاً بالقضايا العربية، وهو ما مكن انقره من أن تلعب دوراً في الوساطة بين سوريا وإسرائيل، وأن توثق علاقاتها بمختلف الأقطار العربية، وأن تحظى بدعم قوي لتكون طرفاً في معادلة القوى الإقليمية التي تنامى فيه النفوذ الإيراني منذ أن أقدمت أميركا على احتلال العراق و تدميره.

صحيح أن العلاقات بين تركيا وإسرائيل لم تنقطع خاصة في المجال العسكري، وأن تركيا بقيت كما قال أردوغان «الصديق الوحيد لإسرائيل في المنطقة»، ولكن كل خطوة تبعدها من منطقة «التحالف» إلى منطقة «الصداقة» كانت مكسباً للعرب، وكل خطوة تضع أنقرة في صف الداعمين للقضايا العربية كانت خسارة لإسرائيل.

لكن المشكلة كانت ومازالت هي غيب الطرف العربي القادر على التعامل الجاد والمسؤول والمتكافئ مع هذه المتغيرات، لينتهي الأمر بأن تصبح القضايا العربية جزءاً من صراع القوى الإقليمية غير العربية على مصير المنطقة، ولتذهب قضية حصار غزة إلى مجلس الأمن في إطار النزاع بين تركيا وإسرائيل على خلفية الجريمة الإسرائيلية البشعة ضد قافلة الحرية، بينما العرب يكتفون بالدعاء للخليفة وأحفاده بالنصر.

ومع كل التحية لأرواح الشهداء الذين سقطوا في الجريمة الإسرائيلية ضد قافلة الحرية وكشفوا مرة أخرى همجية إسرائيل وانحياز أميركا، ومع كل التقدير لموقف الشعب التركي العظيم في مؤازرة أشقائه الفلسطينيين الذي يعانون قسوة الاحتلال و حصار التجويع، ولموقف الحكومة التركية التي تتحرك ؟ في حدود المتاح أمامها ؟ لنصرة القضايا العربية، فإن الأمر في البداية و النهاية هو مسؤولية عربية لا يمكن إلقاء تبعاتها علي الآخرين.

وبدون إرادة عربية توحد الإمكانيات التي نملكها (وما أكثرها) لتكوين القوة العربية القادرة على استخلاص الحقوق وردع العدو فإن شيئاً لن يتحقق، بل ان الأمور ستسوء أكثر، وستتحول الأرض العربية إلى ساحة لصراع الآخرين.

بينما نكتفي نحن ببيانات الشجب للأعداء، وبيانات التقدير للأصدقاء، وانتظار الحل على أيدي الآخرين الذين كانوا سيكونون سنداً قوياً لنا لو كنا نمسك مصيرنا بأيدينا.

أما الرهان على أن يقاتل الآخرون معاركنا ونحن على ما نحن فيه من ضعف وتشرذم فهو الوهم الذي يستهين بالعقل ولا يريد مواجهة الحقائق، فتركيا لا يمكن أن تعلن الحرب على إسرائيل نيابة عنا، وإيران ستقاتل فقط من اجل مصالحها، وأميركا لن تتخلى عن انحيازها لإسرائيل مهما حدث.

وإلى أن نستوعب هذه الحقائق ونخطو بحسم نحو بناء القوة العربية وإنهاء الانقسام فلسطينياً وعربياً، فلنأمل أن يستمر الخط الصاعد في تأييد القضايا العربية في تركيا وإلا ينقض عليه التيار المناوئ الذي لا ينبغي الاستهانة به والذي يضم أحزاباً معارضة وقوى في الجيش تعارض هذا التوجه العربي لحكومة اردوغان.

و لنأمل ألا تذهب الأوضاع في إيران نحو الحرب أو الاتفاق مع أميركا وكلاهما سيدفع العرب ثمنه. ولنأمل في تحرك شعبي عربي واسع يلتقط لحظة الغضب في العالم كله على جريمة إسرائيل ليفرض عليها المقاطعة والحصار كما حدث مع النظام العنصري السابق في جنوب إفريقيا.

وليقول لكل من يساندها في عدوانها إن مصالحه ستتأثر بذلك، فلم يعد مقبولاً أن يمنح البعض لإسرائيل المال و السلاح والمساندة السياسية لترتكب جرائمها ثم يتفضل علينا بإبداء «الأسف العميق»!

كاتب صحفي مصري

galal.aref@hotmail.com