لاشك أن عملية الهجوم على سفن أسطول الحرية التي كانت تحمل مساعدات إنسانية لسكان غزة المحاصرين منذ أكثر من أربع سنوات، وضعت المجتمع الدولي أمام مسؤوليته. ولم يعد ممكنا أن يصل تحدي حكومة تل أبيب لإرادة المجتمع الدولي إلى هذا الحد.

منذ عام ونصف العام وعقب الحرب الدامية التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة، أصدر مجلس الأمن قرارا يشدد على الإيقاف الفوري لإطلاق النار ويفضي إلى انسحاب تام للقوات الإسرائيلية من غزة. ودعا القرار إلى تكثيف الجهود لإيجاد ترتيبات وضمانات تضمن «فتح دائم» للمعابر.

وأعرب أيضا عن «القلق البالغ» لتصاعد العنف وتفاقم الأزمة الإنسانية في غزة. بل وأدان العنف والأعمال العدائية الموجهة إلى المدنيين، وحدد القرار ضرورة «عدم إعاقة» وصول المساعدات الإنسانية إلى غزة.

وفجأة تهاجم القوات الإسرائيلية أسطولا يحمل مساعدات إنسانية لسكان غزة، في المياه الإقليمية الدولية، لتواصل حكومة نتانياهو تحدي إرادة كل الوسطاء وكافة أطراف المجتمع الدولي عبر إفشال جهودهم في استئناف المفاوضات السلمية حتى لو كانت غير مباشرة.

ولم تكتف هذه الحكومة بالرد على مساعي رباعي الوسطاء لاستئناف المفاوضات السلمية بقرار تشييد مستوطنات في القدس الشرقية، وإنما شنت حملة عسكرية على قافلة أسطول الحرية.

وأعلن عقب هذه الحملة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو إن حصار غزة أمر ضروري، لأنه ؟ حسب تعبيره- يحمي تل أبيب والقدس من قصف يشنه مقاتلو حركة «حماس». وعبر عن دعمه لأعمال العسكريين الذين أوقفوا سفن «أسطول الحرية».

فيما كان موقف موسكو واضحا، إذ اعتبر الرئيس ديميتري ميدفيديف أن سقوط الضحايا البشرية إثر الهجوم الإسرائيلي على قافلة المساعدات الإنسانية المتجهة إلى قطاع غزة غير مبرر.

وطالب بإجراء تحقيق شامل بأكبر درجة ممكنة. وأعرب وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف عن أسفه العميق لأن لفت انتباه المجتمع الدولي للوضع غير المحتمل الذي يعيشه قطاع غزة تطلب إراقة الدماء. وأكد أن روسيا ستستمر في تقديم المساعدة الإنسانية لقطاع غزة الذي لا يزال واقعا تحت الحصار الإسرائيلي.

وأعلنت وزارة الخارجية الروسية في بيان أصدرته أن استخدام السلاح ضد المدنيين وإيقاف السفن في عرض البحر بدون مبررات قانونية يعتبران انتهاكا للأعراف والقوانين الدولية، واعتبرت أن هذا الحادث تأكيد جديد على ضرورة رفع الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة بأسرع وقت.

السياسة الإسرائيلية لم تعد تقتصر على تهميش دور روسيا فى تسوية أزمة الشرق الأوسط، وإنما تعدتها إلى تحدي إرادة المجتمع الدولي، وتجاهل مساعي وإرادة حلفاء إسرائيل الاستراتيجيين.

ولاشك أن الرد الرادع على السياسة الإسرائيلية يتطلب مواقف عربية أكثر حزما، فلن يمكن أن يكون الموقف الروسي أو الغربي بديلا عن موقف الدول العربية. ولعل رفع الحصار عن غزة وتقديم المساعدات لسكانها من جانب الدول العربية سيكون الخطوة الأولى في لجم وتحجيم السياسة الإسرائيلية.

إن الوسطاء الدوليين لن ينظموا حملة تأديبية ضد إسرائيل بسبب عملياتها العسكرية، لأن هدف مساعيهم هو اجتذاب أطراف النزاع نحو تسوية سلمية وليس محاربتهم. كما أنه ليس مطلوبا من العرب الانجرار وراء هذه الاستفزازات وتفجير الوضع في المنطقة. ولكن المطلوب منهم إنقاذ غزة من الكارثة الإنسانية التي تعيشها.

والتي دفعت دولا مثل تركيا وايرلندا واليونان للمشاركة في كسر الحصار. ما يعني أنه مطلوب من الدول العربية أولا أن تقوم بهذه الخطوة حتى يتم إنقاذ سكان غزة أولا، ومن ثمة مواجهة السياسة الإسرائيلية.

وإذا كانت الدول العربية تسعى بجدية لتسوية الأزمة المتفجرة يجب عليها أيضا أن تكسر الاحتكار الأميركي لمسيرة العملية السلمية. والذي ثبت بالدليل القاطع انه عاجز عن إخراج التسوية من مأزقها، بل انه عاجز عن إنقاذ سكان غزة من الكارثة الإنسانية. ولابد من الإصرار على توسيع دائرة المشاركين في الضغط على أطراف النزاع للتخلي عن كل أعمال العنف والممارسات المدمرة.

موسكو لا تدعو لقصف إسرائيل، بل تحرص على أمن إسرائيل بنفس القدر الذي تحرص فيه على أمن الفلسطينيين وحصولهم على حقوقهم المشروعة. وبات واضحا أن الدور الروسي هو الأكثر موضوعية في التعاطي مع أزمة الشرق الأوسط التي تهدد بتفجير حرب ضارية في المنطقة.

كاتبة روسية

jannamarat@km.ru