على الرغم من كل الجهود التي بذلت وتبذل في سبيل تحسين الوضع الديمغرافي في دولة الإمارات إلا أن هذا الوضع، وحسب الدراسات العلمية، لا يمكن حله بين ليلة وضحاها، بل قد يستغرق الأمر فترة لا تقل عن 50 عاما (أي حوالي أربعة أجيال). وحتى يحين موعد حل هذا الخلل علينا إذاً تهيئة الأجيال القادمة ليس فقط لتقبل فكرة وجوده كأقلية في مجتمعه ولكن وجود الأخر معه وتعايشه بينه في تناغم وتسامح.

وعلى الرغم من أننا لا نعتقد بأن فكرة وجود الأخر قد تشكل عقبة مستقبلية لدى الأجيال القادمة (فوجوده بيننا مقبول تاريخيا ومنذ مئات السنين)، ولكن فكرة هيمنة بعض الأعراق على بعض القرارات خاصة الاقتصادية وبعض الوظائف العليا في سوق العمل، والمنافسة المتوقعة على الوظائف المطروحة، والكثير من الأفكار المرتبطة بالانفتاح وعولمة المجتمع والتي قد تشكل عقبة مستقبلية إذا لم يتم حلها جذريا.

النتيجة المتوقعة والتي يمكن أن تطل برأسها هي مدى تقبل الأجيال القادمة لفكرة التسامح الاجتماعي وتقبل الأخر ومنافسته له ليس فقط على الوظائف المطروحة بل على الأفضلية في بعض فرص العمل والامتيازات الحياتية الأخرى.

النتيجة المتوقعة الأخرى هي مدى تقبل تلك الأجيال لقضية إفرازات الخلل السكاني والتعامل معه بكل موضوعية وايجابية وشفافية، والتعامل مع إفرازاته المستجدة الأخرى والتي حتما سوف تكون مختلفة تماما عن إفرازات مرحلتنا هذه.

موضوع التميز لم يغب عن تقرير لجنة حقوق الإنسان التي زارت الإمارات مؤخرا. فقد أشارت اللجنة إلي قضية رفعها بعض المواطنين ألا وهي التميز أحيانا ضدهم فيما يتعلق بالامتيازات والرواتب التي يحصل عليها الأجانب خاصة الغربيين فيما يتعلق بالوظائف الكبرى.

هذه القضية قد يتعرض لها أبناء جيلنا ولكنهم يحاولون التعايش معها على مضض أحيانا وبغض السمع والبصر أحيانا كثيرة. أبناء جيلنا قد ينجحون في التعامل مع مثل هذه القضايا بفضل ثقافة التسامح التي يحملونها والتي يعمل المجتمع والدولة على الترويج لها وأيضا بفضل السياسات الوظيفية التي تتبعها الدولة أحيانا أخرى كالتوطين مثلا.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو كيف يا ترى سوف تتعامل الأجيال القادمة مع هذه القضية المستعصية في ظل الانفتاح والعولمة المستقبلية وفي ظل ارتفاع شبح البطالة، غلاء المعيشة، وتكاثر الأجانب بالمعدلات الحالية وغيرها من القضايا المصيرية الأخرى؟

هل وضعت الدولة استراتيجيات خاصة بذلك؟ وهل تنجح الأجيال القادمة في تفادى الصدام مع الأخر كما يحدث حاليا في بعض دول أوروبا مثلا؟ وهل يمكن لثقافة العنف والتطرف والتمييز ضد الأخر والتي تقوم برصدها الهيئات الأممية أن تتسلل برأسها إلى مجتمعنا مدفوعة بعدة عوامل ذكرها تقرير مجلس حقوق الإنسان؟ وكيف نحمي مجتمعنا والأجيال القادمة من بعض التوجهات الفكرية التي تسيء إلى مجتمعنا؟

تقرير مجلس حقوق الإنسان أشار إلى بعض التذمر الذي أبداه من التقى بهم من مواطنين على خلفية التميز بينهم وبين الأجانب في سلم الرواتب والامتيازات خاصة عندما يتساوى الجميع في الكفاءة والدرجات العلمية.

واعتبر التقرير ذلك التصرف نوعا من التمييز الوظيفي الذي يجب التعامل معه الآن بحكمة حتى لا يتطور إلى ما هو أشد من التذمر ويتحول إلي نوع من كراهية الأجانب. وترك التقرير للدولة حرية اتخاذ الإجراءات المناسبة لمعالجة ذلك الوضع.

دولة الإمارات التي تتميز بتنوعها السكاني يجب أن تكون مستعدة منذ الآن لتلك المرحلة التاريخية بتأهيل الإنسان لتقبل تلك الفكرة وتقبل التنوع السكاني وقضية وجود الأخر بينه والتعامل مع إفرازات تلك المرحلة بكل حكمة وتسامح ووعي.

ليس فقط الإنسان الإماراتي هو وحده الذي يجب تأهيله وتهيئته بل كل من يعيش على أرض الإمارات وسوف يكون مستقبلا جزءا من تركيبتها السكانية ونسيجها الاجتماعي. ففي الماضي أتذكر بأننا كأطفال وكبار كنا ننظر باستغراب إلى الأجنبي بملامحه التي تختلف عن ملامحنا وملابسه الغربية عن ملابسنا. أما الآن فالأجنبي هو من يفعل ذلك عندما ينظر لنا.

أتذكر جيدا كلام إحدى النسوة الإماراتيات عندما ولجت إلى بهو أحد الفنادق في الدولة ونظرة الاستغراب على وجوه من في البهو، والغربة التي شعرت بها تلك السيدة في بلدها. هذا الوضع لا يجب أن لا يثير الاستغراب والتأمل لأننا لم نعمل الكثير لتوعية القادمين لمجتمعنا لعاداتنا وتقاليدنا المحلية وزينا الوطني.

يبدو أن التنوع السكاني هو قدر الإمارات حاضرا ومستقبلا، ولذا يجب أن تستفيد منه الدولة اقتصاديا وثقافيا. ولكي تفعل ذلك عليها أن تعمل جاهدة على تأهيل وتنمية الحس الوطني بين الأجيال الجديدة وإزالة كل ما من شأنه أن يؤثر على ثقافة تقبل الأخر من تمييز وظيفي وغيره، وأيضا إشاعة روح التسامح وتقبل الأخر واحترام الثقافات الأخرى وتنوعها.

كذلك يجب أن تعمل الدولة على التعريف الإيجابي بثقافتنا الوطنية وعاداتنا الاجتماعية بين الأخر حتى تزيل كل تميز فكري من قبل الأخر ضدنا. بتلك السياسات نأمل أن يتعايش الجميع مع فكرة التركيبة السكانية المختلة حتى يحين وقت حلها.

جامعة الإمارات

fatimaalsaayegh@hotmail.com