نحن سكان هذه المنطقة المنكوبة من العالم المسمى «الشرق الأوسط»، لسنا بحاجة لكي نعرف جديدا عن الوحشية الإسرائيلية. لقد مضى علينا قرن كامل إضافي، ونحن نختبرها يوما بيوم ولحظة بلحظة.
لكن ثمة شخص واحد يتعين عليه أن يدرك ذلك جيدا؛ إنه الرئيس باراك أوباما، الذي أثارت بلاغته الخطابية حماسة غير عادية لدى وصوله إلى البيت الأبيض، مازال صامتا ولم ينطق بحرف تعليقا على قيام الجيش الإسرائيلي بالهجوم على ناشطي «أسطول الحرية» في عرض البحر، والأمر لا يخلو من مفارقة، فهذا الهجوم الذي أثار السخط في العالم كله يأتي في الذكرى الأولى للخطاب البليغ الذي ألقاه أوباما في جامعة القاهرة في 4 يونيو 2009.
لقد تحدث طويلاً عن تصالح مع العالم الإسلامي، ودعا لفتح صفحة جديدة بين أميركا والعالم الإسلامي للتصدي للتطرف والعنف حول العالم وتحقيق السلام في الشرق الأوسط.
أكثر من ذلك دعا إلى إقامة دولة فلسطينية يعيش فيها الشعب الفلسطيني بكرامة إلى جانب «دولة إسرائيل»، مشيراً إلى معاناة الشعب الفلسطيني على مدى أكثر من ستين عاماً، مؤكدا ببلاغة إضافية أن أميركا «لن تدير ظهرها للطموحات المشروعة للشعب الفلسطيني للعيش بكرامة في دولته المستقلة».
لكن هذه البلاغة لم تقابل إلا بصلف إسرائيلي نعرفه نحن جيدا ومن زعيم صغير وصفق ومفلس يدعى بنيامين نتانياهو. وليس أفضل من نتانياهو ليعبر عن الهستيريا التي تنتاب الإسرائيليين منذ اتفاق أوسلو عام 1993.
فهذا الزعيم الصفق الذي يمثل إفلاس طبقة السياسيين الإسرائيليين لم يفعل سوى أن أعاد ما قام به عندما تولى الحكم في 1996 بنفس التسلسل وبنفس الهوس المرضي بالقتل والولع بالدم.
فقد أمر بحفر أساسات المسجد الأقصى وأثار صداماً دامياً في العام 1996، وها هو يعود مرة أخرى لكي يستولي على المقابر الإسلامية في محيط القدس.
أما عملية اغتيال محمود المبحوح في دبي مطلع هذا العام فتعيد تذكيرنا بنفس الصفاقة واللهفة التي دفعته للأمر باغتيال خالد مشعل في عمان عام 1997 بكل ردود الفعل الساخطة التي ترتبت على شجاعة العاهل الأردني الراحل الملك حسين عندما اتخذ موقفا حازما وصلبا تجاه إسرائيل، وشجاعة شرطة دبي هذه المرة التي كشفت وبتفاصيل دقيقة تورط أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية في العملية.
لم يكتف بهذا، بل إنه افتعل اكبر أزمة في العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة عندما استقبل نائب الرئيس الأميركي جو بايدن قبل شهور، بإعلان استفزازي مقصود عن بناء المزيد من المنازل للمستوطنين في القدس المحتلة.
ماذا يريد أوباما أكثر من هذا لكي ينطق بحرف واحد يدين إسرائيل علنا؟ ما الذي ينقصه لكي ينطلق ببلاغته التي أسر بها العالم في مستهل عهده وجلبت له جائزة نوبل للسلام في استثناء تاريخي لقواعد هذه الجائزة التي لا تمنح إلا نظير انجاز استثنائي؟
البلاغة تحولت إلى مساع محمومة للتضليل عندما عادت واشنطن إلى أسلوبها القديم عبر الالتفاف على المطالب التركية العادلة وتغيير نص المشروع، بحيث تم استبدال عملية إطلاق النار بكلمة «أعمال» وتوزيع المسؤولية عما جرى بين النشطاء وإسرائيل مثلما تقول صحيفة «ذي غارديان» البريطانية في 2 يونيو.
وإذ يظهر أوباما هذا التردد والتأتأة في إدانة عمل وحشي وقتل مدنيين مثلما صمت الرؤساء الأميركيون عن التعليق على مقتل الآلاف من المدنيين الفلسطينيين والنشطاء الأميركيين على يد الجيش الإسرائيلي، فإنه حجز مكانه في قائمة الرؤساء الأميركيين الذين سبقوه والزعماء الغربيين الذين وصفهم روبرت فيسك في الاندبندنت (1 يونيو) بأنهم «أجبن من أن يساعدوا على إنقاذ الأرواح».
انه يخسر بالتأكيد، وتلك الكلمات البليغة والوعود المعسولة حول العدالة والتصالح وحق الفلسطينيين في دولة مستقلة والعيش بكرامة تبخرت ولم يعد لها أي اثر، ولن يتمكن من إصلاح الأمر مهما انتقى كلماته التي سيخاطب بها العرب والمسلمين حول هذه الجريمة التي لا يقبلها ضمير سوي.
وللأسف، ومثل غيره من سابقيه الرؤساء الأميركيين، فإنه لا يفعل سوى أن يقوي مشاعر اليأس والتطرف في أوساط أجيال من العرب والمسلمين.
التطرف الذي يجهد لمحاربته ببلاغة خطابية ولهجة تصالحية وآلاف الجنود الذين يقاتلون في أفغانستان والعراق، ويعطي المصداقية لخطاب المتطرفين، طالما أن الإسرائيليين يقومون بالمجازر وقتل الضحايا الأبرياء فيما الأميركيون يقومون بالتنظيف وراءهم وتبييض صفحة ووجوه قتلة ساديين يقتلون العزل بدم بارد.
الأمر لا يتطلب معجزة للفهم مثلما تقول الإدارة الأميركية عندما تعلن أنها تحتاج لفهم ملابسات الهجوم على سفن أسطول الحرية، ولا معجزة إضافية لفهم ما يمثله هذا أمام العالم كله، وخصوصا أمام العرب والمسلمين:
فعندما تدافع عن القتلة وتسعى لحمايتهم من إدانة الآخرين وتربت على أكتافهم فهذا معناه انك تؤيدهم تماما.
هذا يفهمه أولئك الشبان الذين يندفعون بالأحزمة الناسفة لكي يفجروا أنفسهم ويقتلوا الآخرين بدافع اليأس ووطأة وثقل الإحساس بالظلم وانتفاء العدالة بفعل دولة عظمى لا تفعل سوى أن تكرس سياستها لحماية قتلة ساديين من جنرالات إسرائيل المعتوهين وساستها الذين لا يقلون عنهم ولعاً بالقتل وإراقة الدماء منذ عقود طويلة.
كاتب وصحافي بحريني